لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. ديانة ”حم” في تطوان (ح16)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة16: ديانة “حم”

في ثنايا التاريخ المنسي لشمال إفريقيا، وبي وبالقرب من ضفاف نهر “راس” قرب تطوان، تبرز شخصية استثنائية طالما حاولت الأقلام التقليدية طمس معالمها أو تشويهها بوصف “الافتراء”. إنه أبو محمد حم بن أبي خلف، الرجل الذي لم يكن مجرد “مدع للنبوة” كما تصفه كتب التراث، بل كان تعبيرا عن رغبة أمازيغ ذلك الزمن الغابر في صياغة هوية روحية وسياسية مستقلة عن المشرق تتحدث لسانهم وتلبي خصوصيتهم الثقافية.

ظهر “حم” في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وهي فترة اتسمت بغليان فكري وقومي في بلاد المغرب. لم يكن الأمازيغ حينها مجرد متلقين سلبيين، بل كانوا يبحثون عن تميز كياني يحميهم من التبعية المطلقة للمشارقة. انضم إليه بشر كثير من قبائل “بنو واجفوال”، ليس كفرا بالروحانيات، بل إيمانا بـ ”نبي” يخرج من صلب أرضهم، ويخاطبهم بلغة يفهمونها، بعيدا عن حواجز اللغة والترجمة.

ويؤكد المؤرخ عبد العزيز الثعالبي في كتابه “تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية” أن حم بن أبي خلف “ظهر بالمكان أواخر المائة الثالثة من الهجرة، وانضم إليه بشر كثير من البربر.. وأقرُوا له بالنبوة، وجعلوا شريعته ناسخة لجميع الشرائع التي تقدمتها”.

صاغ “حم” شريعة اتسمت بالذكاء الاجتماعي والارتباط العضوي بطبيعة بلاد المغرب، فكانت صلواته عند الشروق والغروب تعبيرا عن التناغم مع نواميس الكون، وسجوده على بطون الأكف حركة رمزية تكرس التواضع والالتحام بالأرض الأمازيغية الشريفة.

ويذكر الثعالبي في نفس المرجع أن “حم أدعى أنه أُنزل إليه كتاب بالبربرية، وتفرد أبو عبيد البكري بنقل آيات منه جعلها حم لصلواتهم.. ومن تكاليف هذه الديانة جعل الصلاة كما هي عند المجوس مرتين عند طلوع الشمس وعند الغروب يسجدون على بطون أكفهم، وافترض صوم يوم الخميس كله وصوم يوم الأربعاء إلى الظهر، فمن أكل فيهما كانت كفارته خمسة أثوار لحم..وجعل عليهم صوم 27 يوما من رمضان، وأبقى فرض صوم ثلاثة أيام والفطر الرابع، وجعل العيد اليوم الثاني من الفطر, وجعل الزكاة العشر من كل شيء، وأسقط الحج والطهر والوضوء..”.

وحتى في تفاصيل الصيام والزكاة، نجد “حم” قد لامس واقع شعبه بفرض “العشر من كل شيء” كأداة للتكافل الاقتصادي العادل، وإسقاطه للحج والوضوء لم يكن استخفافا، بل كان تركيزا على الجوهر الروحي العميق وتخليصا للدين من التعقيدات التي قد تعيق الإنسان البسيط عن الاتصال بخالقه.

هذا ”المتنبي”، كما تصفه كتب التاريخ، قدم صياغة عبقرية للفطرة الإنسانية في قالب أمازيغي خالص، محاولا حماية شعبه من الذوبان في الآخر، ومعيداً الاعتبار للإنسان الأمازيغي كفاعل أصيل في تاريخ الأديان، لا مجرد تابع ينتظر الإملاءات من بعيد.

ويعكس الهجوم الذي تعرض له “حم” ونعته بـ “المفتري” من قبل خصومه، إحدى تمظهرات الصراع على السلطة الرمزية؛ فالمؤسسات التقليدية خافت من فقدان سيطرتها على العقول حين رأت الأمازيغ يلتفون حول” نبي” من دمهم ولحمهم.

وبالرغم من أن التاريخ يكتبه المنتصرون، كما يقال، وحاولوا تصوير دينه كـ “زبد يذهب جفاء”، إلا أن الحقيقة التاريخية تنطق بأن هذه الحركات كانت صمام أمان حافظ على الهوية الأمازيغية من الانصهار التام.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x