2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
لم يكن الرسام البريطاني جورج أوين أبيرلي يتوقع أن تتحول رحلة عابرة إلى بداية حكاية طويلة مع مدينة ستغير مسار حياته الفنية. حين وصل إلى طنجة لأول مرة في بدايات القرن العشرين، كان مجرد فنان يجوب المدن المتوسطية بحثاً عن الضوء والمناظر التي تغذي ريشته. غير أن هذه المدينة الواقعة على تخوم القارات بدت له مختلفة منذ اللحظة الأولى؛ فالأزقة الضيقة، وبيوتها البيضاء المطلة على البحر، وضوء الشمس الذي ينساب فوق الأسطح والوجوه، كلها عناصر جعلته يشعر أنه وصل إلى مكان لم يشبه أي مدينة أخرى عرفها من قبل.
قضى أبيرلي سنوات يتنقل بين إسبانيا وشمال إفريقيا، لكنه ظل يعود إلى طنجة كلما اشتاق إلى ذلك الضوء الخاص الذي كان يرى فيه مادة فنية لا تنضب. ومع مرور الوقت، تحولت الزيارة إلى تعلق عميق بالمكان، حتى اتخذ قراره الحاسم سنة 1933 بالاستقرار نهائياً في المدينة. اختار حي مرشان، المطل على البحر، ليبني منزلاً أبيض بسيطاً، لكنه سرعان ما تحول إلى مرسم مفتوح على الأفق. هناك، بين نسمات الأطلسي وأصوات الميناء البعيد، بدأ يرسم طنجة كما كان يراها: مدينة هادئة، مشبعة بالضوء والحلم.

مرسم يطل على الضوء
في مرسمه المطل على البحر، كان أبيرلي يقضي ساعات طويلة أمام القماش، يراقب تغيرات الضوء في السماء وعلى الجدران البيضاء للمدينة. لم يكن مهتماً فقط بالمناظر الطبيعية، بل أيضاً بوجوه الناس الذين يعيشون في طنجة. كان يرى في ملامحهم حكايات لا تقل جمالاً عن البحر أو الغروب. لذلك امتلأت لوحاته بصور رجال ونساء من المدينة، بألوان ناعمة وتفاصيل هادئة تعكس إحساسه العميق بالمكان.
تميّز أسلوبه الفني بطابع رومانسي يمزج بين التأثيرات الغربية وسحر الشرق الذي اكتشفه في شمال إفريقيا. لم يكن يرسم المدينة كغريب يراقبها من الخارج، بل كفنان اندمج في حياتها اليومية. في لوحاته تظهر طنجة مدينة شاعرية، مضاءة بشمس دافئة، حيث تتجاور الأزقة القديمة مع زرقة البحر في تناغم بصري يشي بحب عميق للمكان.
لم تكن طنجة بالنسبة له مجرد محطة في مسيرته الفنية، بل تحولت إلى مصدر دائم للإلهام. كان يرى في ضوءها المتغير طوال اليوم مادة لا تنتهي للتجريب الفني. صباحات المدينة، حين يغمر الضوء الأبيض الجدران، كانت تمنحه هدوءاً خاصاً، بينما كانت لحظات الغروب تمنحه تلك الألوان الدافئة التي اشتهر بها في لوحاته.

خلال سنوات إقامته الطويلة في طنجة، عاش أبيرلي حياة هادئة نسبياً بعيداً عن صخب العواصم الأوروبية. كان يقضي معظم وقته بين مرسمه وجولات قصيرة في شوارع المدينة، يلتقي بالناس ويلاحظ تفاصيل حياتهم اليومية. هذه التفاصيل الصغيرة كانت تتحول لاحقاً إلى عناصر فنية داخل لوحاته، حيث تبدو المدينة وكأنها تنبض بالحياة رغم هدوء المشهد.
شاركته هذه الحياة زوجته الثانية الإسبانية إنريكيتا، التي عاشت معه في المنزل المطل على البحر. كانت تلك الشراكة العائلية جزءاً من استقرار الفنان في طنجة، إذ وجد في المدينة فضاءً يسمح له بالتركيز على فنه بعيداً عن الضجيج. ومع مرور السنوات، أصبح اسمه مرتبطاً بالمدينة كما لو كان واحداً من أبنائها.
عندما رحل أبيرلي سنة 1960، كان قد ترك خلفه إرثاً فنياً كبيراً يوثق جانباً من روح طنجة في زمنها الدولي. لوحاته لم تكن مجرد أعمال فنية، بل شهادات بصرية على مدينة كانت ملتقى الثقافات والأجناس، ومكاناً يجد فيه الفنانون فضاءً مفتوحاً للإبداع.
اليوم، ما زالت أعماله تحمل ذلك الضوء الذي سحره أول مرة عند وصوله إلى طنجة. ومن خلال تلك اللوحات، يستمر حضور الفنان البريطاني في ذاكرة المدينة، كرسام أحبها بصدق حتى أصبحت جزءاً من هويته الفنية والإنسانية.

قلت كل شيئ عن الفنان ولم تعرض لنا ولو لوحة واحدة عن طنجة التي أحبها.