2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
في أحد أزقة طنجة القديمة، حيث تتداخل أصوات الباعة مع وقع الخطوات فوق حجارة الأزقة العتيقة، كان متجر صغير للساعات يختبئ خلف واجهة متواضعة. لم يكن المارّة يدركون أنهم يقفون أمام مكان سيصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة المدينة. هناك، في نهاية القرن التاسع عشر، قرر رجل يُدعى أنسيلمو رافيلا أن يمنح طنجة شيئاً مختلفاً: الوقت نفسه، لكن بدقة الصائغ وصبر الحرفي.
وصل رافيلا إلى طنجة في تسعينيات القرن التاسع عشر، في زمن كانت فيه المدينة تعيش انفتاحاً استثنائياً، حيث يلتقي التجار والدبلوماسيون والبحارة من جهات العالم المختلفة. لم يكن الرجل يبحث عن الشهرة، بل عن فرصة ليصنع مكاناً يليق بحرفته. وبعد سنوات قليلة من استقراره، افتتح سنة 1898 متجره الخاص بالساعات، متجر صغير سرعان ما تحول إلى عنوان معروف بين سكان المدينة.
في البداية، كان الزبائن يأتون بدافع الفضول. لكن ما إن يدخلوا المتجر حتى يكتشفوا عالماً مختلفاً: جدران تزينها ساعات بأشكال متعددة، وأدراج صغيرة مليئة بقطع دقيقة لا يفهم سرها إلا صانعها. كان رافيلا يعمل بصمت، منحنياً فوق أدواته، يضبط عقارب الوقت كما لو كان يعيد ترتيب إيقاع الحياة نفسها. شيئاً فشيئاً، بدأ اسمه ينتشر بين سكان طنجة، ليس فقط بسبب جودة عمله، بل أيضاً بسبب أخلاقه التي جعلته قريباً من الجميع.

حين أصبحت الساعات لغة للتعايش
لم يكن متجر رافيلا مجرد محل تجاري، بل تحول إلى نقطة التقاء لطنجة المتعددة الثقافات. كان الزبائن يدخلونه من خلفيات مختلفة: عرب ويهود وأوروبيون، مسلمون ومسيحيون، يجمعهم اهتمام واحد هو الثقة في يد الحرفي الذي يعرف كيف يعيد الحياة إلى ساعة توقفت. في ذلك المكان الصغير، كان الوقت يتجاوز الحدود الدينية والثقافية، ليصبح لغة مشتركة بين سكان المدينة.
تميز رافيلا بمهارة استثنائية في صناعة وإصلاح الساعات، خاصة الساعات الكبيرة والبندولات التي كانت تتطلب دقة نادرة. كان يعمل بعناية شديدة، يختبر كل قطعة كما لو كانت عملاً فنياً قائماً بذاته. لهذا لم يكن غريباً أن تصبح بعض أعماله جزءاً من معالم طنجة نفسها.
مع مرور السنوات، بدأت بصمته تظهر في أماكن بارزة من المدينة. فالبندولات التي صنعها بيديه وجدت طريقها إلى مؤسسات دينية وثقافية، لتصبح شاهدة على جودة عمله. وما زال بعضها إلى اليوم يحمل توقيعه الواضح: “Anselmo Ravella – Tanger”، كتأكيد صامت على أن الزمن يمكن أن يحمل أيضاً توقيع صانعه.

من بين تلك الساعات، تظل البندولات التي دقت في أماكن مثل الجامع الكبير بالسوق الداخل وكنيس ناهون مثالاً نادراً على روح طنجة في تلك الحقبة. فأن تصنع ساعات تخدم معالم دينية مختلفة في مدينة واحدة، كان أمراً يعكس طبيعة طنجة نفسها؛ مدينة تعيش على إيقاع التنوع والتعايش.
ومع مرور العقود، أصبح متجر رافيلا أكثر من مجرد ورشة للحرف اليدوية. لقد تحول إلى جزء من المشهد اليومي للمدينة، مكان يعرفه السكان ويقصدونه بثقة. وحتى أولئك الذين لم يشتروا ساعة من متجره كانوا يعرفون اسمه، لأن سمعته انتشرت ببطء وثبات، تماماً كما تتحرك عقارب الساعة.
لكن الزمن، الذي قضى رافيلا حياته في قياسه وضبطه، لا يتوقف لأحد. ومع نهاية حياته، كان الرجل قد أصبح جزءاً من تاريخ طنجة نفسها. لم يترك وراءه ثروة كبيرة أو قصصاً صاخبة، بل ترك شيئاً أكثر هدوءاً ودواماً: ساعات ما زالت تدق، وشهادة على زمن كان فيه الإتقان والصدق أساس الحرفة.
حين رحل أنسيلمو رافيلا، ووري الثرى في مقبرة بوبانة بطنجة، بدا وكأن صفحة من تاريخ المدينة قد أغلقت. لكن الحقيقة أن أثره لم يختف. فما زالت بعض الساعات التي صنعها تنبض في قلب طنجة، تقيس الزمن كما كانت تفعل منذ أكثر من قرن.
وهكذا، لم يكن متجره مجرد واجهة قديمة في صورة نادرة، بل نافذة على زمن كانت فيه المدينة تعيش بإيقاع مختلف، زمن صنعه رجال آمنوا بأن الحرفة الصادقة يمكن أن تترك أثراً أطول من العمر نفسه. وفي كل دقة ساعة تحمل اسمه، يعود صدى ذلك الزمن الأصيل إلى الحياة من جديد.