2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”..الملك الذي حكم تامسنا بعقيدة النبوة المورثة (ح18)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة18: أبو غفير البرغواطي
يعد “أبو غفير” محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف أحد أبرز الشخصيات المحورية في تاريخ الدولة البرغواطية ببلاد تمسنة، وهو الحاكم الذي استطاع تثبيت أركان “النحلة البرغواطية” بعد فترة من التقية والسرية، معيدا للملك هيبته وشوكته تحت لواء المعتقدات التي وضع أسسها جده صالح بن طريف.
وبالرجوع إلى تفاصيل هذه الشخصية كما وردت في كتاب “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” لابن عذاري المراكشي، نجد أن انتقال الحكم إلى أبي غفير لم يكن مجرد توريث اعتيادي، بل جاء بانتقال الأمر عن بني عمومته (أبناء يونس بن إلياس) واستيلائه على الملك بدين آبائه.
وتميزت فترة حكمه بالقوة والشدة، حيث يذكر ابن عذاري المراكشي أن شوكته اشتدت وعظم أمره، وكانت له وقائع كثيرة ومشهورة في قبائل الأمازيغ، مما مكنه من بسط سيطرته الكاملة على المنطقة الممتدة ببلاد تامسنا.
وحول السؤال المتعلق بادعائه النبوة، فإن المعطيات التاريخية المستقاة من “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” لابن عذاري المراكشي تؤكد أن أساس النحلة البرغواطية يقوم على الإقرار بنبوة صالح بن طريف، وكذلك التسليم بنبوة جميع الذين تولوا الأمر من بعده من ولده.
وبناء على هذا المعتقد الإيديولوجي الذي قامت عليه الدولة، فإن أبا غفير لم يخرج عن هذا الإطار، بل كان يُنظر إليه كأحد “الأنبياء” الملوك ضمن هذه السلالة، حيث كان يؤمن أتباعه بأن الكتاب الذي أخرجه جده صالح هو وحي من الله لا يشكون فيه.
وقد استمر أبو غفير في الحكم لمدة 29 سنة، وهي فترة كانت كافية لترسيخ العقائد البرغواطية التي تضمنت تشريعات غريبة عن الإسلام، مثل فرض صوم شهر رجب وتحريم صوم رمضان، وإيجاب خمس صلوات في اليوم وخمس في الليل، بالإضافة إلى ذبح الأضحية في الحادي عشر من المحرم.
ويشير ابن عذاري المراكشي إلى أن وفاة أبي غفير كانت في سنة 300 هجرية (912 ميلادية)، ليترك خلفه ملك قويا ودولة دامت عقائدها المنحرفة لقرابة ثلاثة قرون قبل أن يقضي عليها الأمير تميم اليفرني.
ةشكل أبو غفير حلقة وصل قوية في تاريخ برغواطة، حيث زاوج بين السلطة السياسية والزعامة الدينية المبنية على ادعاء النبوة المورثة، وهو ما يفسر استماتة القبائل التابعة له (مثل جراوة وزواغة والمطغرة) في الدفاع عن هذه النحلة.
ويؤكد ابن عذاري المراكشي في كتابه أن قوة هذه الدولة بلغت حدا جعلها تفرض طاعتها حتى على بعض القبائل المسلمة التي انضافت إليها سياسيا دون اعتناق نحلتها.