2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”.. بن طريف: نبي تامسنا وقصة ”القرآن” الأمازيغي (ح5)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة5: صالح بن طريف.. نبي تامسنا وقرآن الأمازيغية المفقود
يمثل صالح بن طريف ظاهرة تاريخية فريدة في سياق التحولات السياسية والدينية التي شهدها المغرب الأقصى خلال القرن الثاني الهجري، حيث استطاع تشييد كيان سياسي وعقائدي مستقل في منطقة تامسنا دام لأكثر من ثلاثة قرون.
استندت شرعية صالح بن طريف إلى قدرة فائقة على الدمج بين التطلع الأمازيغي للاستقلال عن التبعية للمشرق وبين صياغة منظومة دينية محلية، إذ قدم نفسه بصفته “نبي الأمازيغ” والمهدي المنتظر، وهو ما أكده ابن خلدون في “تاريخ العبر” حين أشار إلى ادعائه النبوة وتأسيسه لديانة خاصة بقومه، مكرسا بذلك سلطة مطلقة جمعت بين الزعامة الزمنية والقداسة الروحية.
شكل وضع “قرآن باللغة الأمازيغية” الركيزة الأساسية التي ارتكزت عليها دعوة صالح بن طريف، حيث ألف كتابا تضمن ثمانين سورة بلسان القوم، مستندا في مسوغاته إلى ضرورة تبليغ الرسالة بلغة يفهمها المخاطبون بها. وأورد أبو عبيد الله البكري في كتابه “المسالك والممالك” تفاصيل دقيقة عن هذا ”القرآن”، ذاكرا أسماء بعض سوره مثل سورة الديك، والجراد، وهارون، ونوح.
ولم يقتصر التغيير على اللغة فحسب، بل امتد ليشمل جوهر العبادات والتشريعات؛ ففرض صيام شهر رجب بدلا من رمضان، وغير في صفة الصلاة وعددها، وأحل تعددا غير محدود للزوجات مع تحريم ابنة العم، وهي التفاصيل التي وثقها أيضا ابن حوقل في مؤلفه “صورة الأرض”، موضحا كيف أحدثت هذه الدعوة أثرا عميقا في نفوس الأمازيغ آنذاك.
اتسمت الدولة البرغواطية في عهد صالح وخلفائه بصلابة عسكرية وتنظيم اجتماعي صارم، حيث تحول المجتمع في تامسنا إلى جهاز ايديولوجي متماسك يرى في الدفاع عن “النبي الأمازيغي” وشرائعه واجبا مقدسا.
وبحسب ما جاء في كتاب “دولة بني صالح في تامسنا” للدكتور رجب محمد عبد الحليم، فإن الدولة نجحت في الحفاظ على حدودها الممتدة بين سلا وآسفي ضد القوى الكبرى المحيطة بها بفضل هذا الوازع الديني. وكان لهذه العقيدة أثر سيكولوجي دفع الأتباع إلى الانقياد التام لأوامر الحاكم، لدرجة التبرك بآثاره وبصاقه كما ذكرت الروايات التاريخية المتواترة التي نقلها ابن أبي زرع الفاسي في كته ” الأنيس المطرب بروض القرطاس”.
اونتهى المسار التاريخي لهذه التجربة مع تزايد الضغوط العسكرية من دولتي المرابطين والموحدين، حيث تم القضاء على الكيان البرغواطي في منتصف القرن السادس الهجري، وصاحب ذلك محو منهجي لمعظم الآثار المكتوبة لتلك الفترة، بما فيها النسخ الأمازيغية للقرآن المنسوب لصالح بن طريف.
وتظل هذه الشخصية اليوم، كما يحللها الباحث المصطفى حميمو في دراساته النقدية، موضوعا يراوح بين اعتباره ثائرا سياسيا وظف الدين لخدمة الاستقلال القومي، وبين تصنيفه ضمن حركات الخروج العقدي التي طمست معالمها الصراعات السياسية والمذهبية عبر التاريخ.