2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
وُلد محمد المرابط في طنجة سنة 1936، في مدينة كانت آنذاك ملتقى للثقافات واللغات والوجوه القادمة من كل أنحاء العالم. لكن الطفل الذي سيصبح لاحقاً أحد أشهر رواة الحكايات في شمال إفريقيا لم يكن تلميذاً مطيعاً في المدرسة. كان مختلفاً منذ البداية؛ يهرب من الصفوف ويملأ دفاتره بالرسوم بدل الكلمات. لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، ومع ذلك كان يمتلك موهبة أخرى أكثر غرابة: القدرة على نسج القصص كما لو كانت موسيقى تتدفق من ذاكرته.
طفولته لم تكن سهلة. كان والده يعمل طاهياً للحلويات في أحد فنادق طنجة الشهيرة، وكان أباً لعائلة كبيرة تضم عشرات الأبناء. حاول أن يفرض على ابنه طريق الدراسة، فسجله في مدرسة دينية ثم في مدرسة فرنسية. لكن الأمور لم تسر كما أراد. في أحد الأيام، اكتشف المعلم أن دفتر الصبي مليء بالرسومات بدل الواجبات. انتهى الموقف بعراك صغير بين التلميذ ومعلمه، ومنذ تلك اللحظة أدرك المرابط أن المدرسة ليست المكان الذي ينتمي إليه. هرب، وعاد إلى البيت ليواجه غضب والده، ثم خرج من المنزل وهو في الحادية عشرة من عمره، ليبدأ حياة أخرى في شوارع المدينة.

حين تتحول الحكاية إلى حياة
في خمسينيات القرن الماضي كانت طنجة مدينة استثنائية. الموانئ تعج بالمسافرين، والمقاهي تمتلئ بالكتاب والفنانين القادمين من أوروبا وأمريكا بحثاً عن الحرية والإلهام. وسط هذا العالم المتنوع، وجد المرابط نفسه يعمل في الفنادق والمطاعم، يتنقل بين الزبائن ويحفظ ملامحهم وقصصهم. كانت ذاكرته أشبه بصندوق مليء بالحكايات التي يلتقطها من المقاهي والأسواق والأزقة.
عام 1960، حدث اللقاء الذي سيغير حياته إلى الأبد. كان المرابط يعمل في إحدى الحفلات عندما لاحظ امرأة تجلس بعيداً عن الضجيج، تبدو غير مهتمة بأحاديث الحاضرين. اقترب منها وبدأ يروي لها قصة طريفة عن رجل بسيط يبحث عن زوجة بطريقة غريبة. لم تكن تلك مجرد حكاية عابرة؛ كانت بداية صداقة ستفتح له باباً لم يكن يتخيله. تلك المرأة كانت الكاتبة الأمريكية جين بولز، التي أُعجبت بطريقة سرده وقدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى حكاية آسرة.
بعد فترة قصيرة، تعرّف المرابط على زوجها الكاتب الأمريكي بول بولز، الذي كان قد استقر في طنجة منذ أواخر الأربعينيات. أدرك بولز سريعاً أن الشاب المغربي يمتلك موهبة فريدة في السرد الشفهي. كان قادراً على ابتكار القصص في لحظتها، يخلط بين الواقع والخيال، ويقود المستمعين عبر عالم مليء بالمغامرة والدهشة. بدأت بينهما علاقة تعاون استمرت قرابة أربعين عاماً.

لم يكن المرابط يكتب شيئاً بيده، لأنه ببساطة لم يتعلم الكتابة. كان يسجل قصصه بصوته على أشرطة، يرويها باللهجة المغربية الدارجة، ثم تُترجم إلى لغات أخرى عالمية بمساعدة بول وجين بولز وآخرين. هكذا تحولت حكاياته إلى كتب تُقرأ في أنحاء مختلفة من العالم. كانت قصصه تمزج بين الضحك والمأساة، وبين الحقيقة والخيال، وغالباً ما تدور حول التوتر بين الثقافات المختلفة التي تلتقي في مدينة مثل طنجة.
كان المرابط يقول دائماً إن الحكاية تشبه البحر. لا بداية واضحة لها ولا نهاية ثابتة، لكنها تتغير باستمرار مثل الأمواج. لذلك لم يكن يكرر القصص نفسها بالطريقة ذاتها. في كل مرة يرويها يضيف تفاصيل جديدة، أو يحذف جزءاً منها، أو يغير مسارها فجأة. بالنسبة له، كانت الحكاية كائناً حياً يتنفس ويتحول مع الزمن.
ومع مرور السنوات، لم يكتفِ بالرواية الشفوية والكتب، بل بدأ يرسم أيضاً. كانت الرسوم تظهر كامتداد طبيعي للحكايات التي تدور في ذهنه. يجلس أمام الورق الأبيض ويبدأ بوضع خطوط صغيرة متشابكة بالحبر الأسود، تتحول تدريجياً إلى أشكال تشبه الرموز أو الزخارف الشعبية. داخل تلك الشبكات تظهر عيون وأسماك وأيدٍ وأشكال غامضة، كما لو كانت شخوصاً خرجت من قصصه لتعيش حياة أخرى على الورق.
لم يتعلم الرسم في مدرسة فنية، ولم يتبع قواعد أكاديمية. كان يقول ببساطة إن الصور تخرج من رأسه كما تخرج القصص. يبدأ الرسم دون خطة مسبقة، ولا يعرف ماذا سيظهر في النهاية. تلك العفوية نفسها كانت سر جاذبية أعماله، التي بدت وكأنها تجمع بين الخط العربي والزخرفة الشعبية والتجريد الفني.
على مر العقود، أصبح محمد المرابط اسماً معروفاً في عالم الأدب والفن. تُرجمت قصصه إلى لغات عديدة، وعُرضت رسوماته في معارض مختلفة. لكن رغم كل ذلك، بقي الرجل نفسه: راوياً يجلس بين أصدقائه أو أفراد عائلته، يحتسي الشاي بالنعناع، ويبدأ فجأة في حكاية جديدة.
كان يقول إن كل قصة يرويها تحمل جزءاً من حياته. وربما لهذا السبب تبدو حكاياته دائماً صادقة، حتى عندما تمتلئ بالخيال. ففي مدينة مثل طنجة، حيث تختلط الثقافات واللغات والقصص، وجد المرابط طريقه الخاص: أن يحكي، وأن يترك للحكاية حرية أن تقوده حيث تشاء.