لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (19): “آل الخطابي”؛ العائلة الريفية التي حولت اللقب الى مدرسة في التحرر

في تاريخ المغرب عائلات صنعت السلطة، وأخرى صنعت التاريخ، وإذا كانت بعض الألقاب ارتبطت بالإدارة أو بالاقتصاد، فإن لقب الخطابي ارتبط بشيء آخر تماماً.. إنه المقاومة.

في هذه الحلقة من سلسلة “العائلات الكبرى”، نقترب من عائلة خرجت من جبال الريف لكنها تركت أثراً يتجاوز الجغرافيا.

إنها عائلة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الاسم الذي تحوّل إلى رمز عالمي لحروب التحرر.

تنتمي العائلة إلى قبيلة بني ورياغل، إحدى أبرز قبائل الريف، وبالتحديد إلى منطقة أجدير بضواحي الحسيمة، وقد عرفت الأسرة قبل شهرتها العسكرية بأنها عائلة علم وقضاء، إذ كان جد الأمير ووالده من الفقهاء الذين تولوا مهام القضاء والتعليم الديني بين القبائل.

والد الأمير، عبد الكريم الخطابي، كان قاضياً شرعياً ذا نفوذ روحي واجتماعي كبير داخل المنطقة، وقد وضع، قبل وفاته سنة 1920، وفق بعض المؤرخين، اللبنات الأولى لمقاومة سياسية وعسكرية ضد التوسع الإسباني في شمال المغرب.

لكن الاسم الذي سيخلد العائلة في الذاكرة المغربية والعالمية هو محمد بن عبد الكريم الخطابي، المولود سنة 1882 في أجدير، والذي سيعرف لاحقاً بلقب “أسد الريف”.

جمع الخطابي بين التعليم التقليدي والدراسة العصرية، فقد تلقى علومه الدينية في فاس، بينما عمل لاحقاً في مليلية قاضياً وصحفياً، ما أتاح له فهماً عميقاً لعقلية الإدارة الاستعمارية ولطبيعة الصراع القادم.

في سنة 1921، سيقود واحدة من أشهر المعارك في تاريخ الحروب الاستعمارية؛ معركة أنوال، حيث تمكن جيش من المقاتلين الريفيين من إلحاق هزيمة مدوية بالجيش الإسباني بقيادة الجنرال سيلفيستري، في حدث صدم أوروبا بأكملها، وأصبح درسا لكل ثوار العالم.

لم تكن المعركة مجرد انتصار عسكري، بل لحظة ميلاد مشروع سياسي، فبعدها بوقت قصير، أعلن الخطابي قيام ما عرف تاريخياً بـ “جمهورية الريف”، في محاولة لبناء إطار سياسي حديث ينظم المقاومة ويوحد القبائل.

ورغم قصر عمر هذه التجربة، بين 1921 و1926، فإنها تركت أثراً عميقاً في تاريخ الحركات التحررية.

فالتكتيكات العسكرية التي طورها الخطابي في جبال الريف ستصبح لاحقاً مرجعاً لما عرف بـ “حرب العصابات”، وهي الأساليب التي استلهمها قادة عالميون في آسيا وأمريكا اللاتينية، مثل غيفارا وهوشي منه.

نقل الأمير إلى جزيرة لاريونيون في المحيط الهندي، قبل أن يستقر لاحقاً في القاهرة حيث سيقضي ما تبقى من حياته، مواصلاً الدفاع عن قضايا التحرر في المغرب العربي حتى وفاته سنة 1963.

لم تنته قصة العائلة بوفاة الأمير، فقد خلف أحد عشر ابناً وبنتاً، ظل بعضهم حاضراً في الذاكرة الوطنية، وفي مقدمتهم عائشة الخطابي، الابنة الصغرى التي عرفت بلقب “حكيمة الريف”، ولازال “آل الخطابي” يحظون بمكان واعتبار كبيرين في منطقة الريف.

عائشة الخطابي ظلت لسنوات طويلة تمثل الواجهة الرمزية للعائلة في المغرب، وسعت إلى الحفاظ على إرث والدها وتوثيق ذاكرة المقاومة، كما حظيت بتقدير رسمي وشعبي واسع قبل وفاتها سنة 2023.

أما أحفاد الأمير فيتوزعون اليوم بين المغرب ومصر وأوروبا، ويشتغل كثير منهم في مجالات الطب والهندسة والأعمال، بعيداً عن الانخراط المباشر في السياسة، مع استمرار حضور الاسم كرمز تاريخي.

بهذا المعنى، تبدو عائلة الخطابي مختلفة عن كثير من العائلات التي مرت في هذه السلسلة، فهي لم تبن نفوذها عبر الوزارات أو الإدارات، بل عبر حدث تاريخي غيّر مسار المقاومة في شمال إفريقيا.

لقد خرجت العائلة من بنية قبلية تقليدية، لكنها نجحت في تحويل تلك البنية إلى مشروع سياسي وعسكري منظم، وهو ما جعل تجربة الريف، رغم قصرها، تتحول إلى مرجع في تاريخ حركات التحرر.

اليوم، وبعد قرن تقريباً على معركة أنوال، لا يزال اسم الخطابي يختصر قصة كاملة؛ قصة قبائل توحدت، ومقاومة صنعت أسطورة، وعائلة تحولت إلى جزء من الذاكرة الوطنية.

وفي الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى من عائلات المغرب، لنطرح السؤال نفسه من جديد، هل تصنع العائلات التاريخ.. أم أن التاريخ هو الذي يصنع العائلات؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x