لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”..ميسرة المطغري وميلاد الخوراج بالمغرب (ح20)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة20: ميسرة المطغري

ولد ميسرة المطغري في حضن قبيلة مطغرة المكناسية، وتشبع بروح المذهب الصفري (أحد مذاهب الخوارج)، وسطع نجمه كشخصية حملت لواء “الخلافة” في وقت كان فيه المغرب يغلي رفضا للظلم الممنهج.

انطلقت مسيرة هذا الرجل من واقع مؤلم في عهد هشام بن عبد الملك، حيث عانى المغاربة من جور الولاة الأمويين، وعلى رأسهم عبيد الله بن الحبحاب وعامله على طنجة عمر بن عبد الله المرادي، الذين استباحوا الأموال والأعراض، وبلغ بهم الصلف حد محاولة “تخميس” الأمازيغ المسلمين ومعاملتهم كغنائم حرب، بل والتمادي في ذبح أغنام الأهالي لاستخراج جلود السخال العسلية النادرة إرضاءً لترف بلاط دمشق.

يذكر ابن عذاري المراكشي في كتابه “البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب” أن السبب الرئيس لثورته كان سوء سيرة عامل ابن الحبحاب، الذي كلف المغاربة ما لا طاقة لهم به من “الوصائف البربريات” والتعسف في جمع الجبايات، مما حول ميسرة من شيخ قبيلة إلى “إمام” يقود المؤمنين ضد الظلم.

كما يروي ابن خلدون في كتاب ”العبر” كيف استخدم ميسرة وجنده شعارات دينية وأساليب نفسية مبتكرة، مثل ربط “الشنان” المليئة بالحجارة بأذناب الخيل لترويع خيول العرب، مما أدى إلى هزيمة جيش الشام الجرار وتكريس نفوذ الخوارج الصفرية في كل جهة، واقتطاع المغرب عن طاعة الخلفاء الأمويين إلى الأبد.

أمام هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي، انتدب ميسرة، خلال سنة 122 هــ وفدا من أعيان الأمازيغ إلى دمشق لمقابلة الخليفة هشام بن عبد الملك، حاملين شكواهم من تظلم الولاة (مثل عبيد الله بن الحبحاب وعمر بن عبد الله المرادي). لكن حجاب الخليفة، وعلى رأسهم الأبرش الكلابي، منعوهم من الدخول.

عاد ميسرة إلى طنجة، وبايعه المغاربة “خليفة”، وهي خطوة ذات دلالة دينية عميقة؛ إذ أعلن بذلك استقلال المغرب الروحي والسياسي عن المشرق، مؤكدا أن “الإمامة” لمن أقام العدل لا لمن ورث العرش.

تحولت طنجة تحت قيادته إلى منطلق لزلزال هز أركان الخلافة في المشرق، حيث قاد جيشه الذي ضم عشرات الآلاف من الصفرية والاباضية ليطهر طنجة والسوس من الولاة الجائرين، معلنا استقلال المغرب سياسيا وروحيا.

وتجلت براعته في معاركه التي استلهم فيها بأس الأنبياء في مواجهة الطواغيت، كما حدث في معاركه ضد طلائع جيش حبيب بن أبي عبيدة، وصولا إلى التمهيد لملحمة “وادي سبو”.

ورغم ما حاولت بعض المصادر المشرقية إلصاقه به من أوصاف كـ “الحقير”، إلا أن التاريخ المنصف، كما عند ابن خلدون وابن عذاري، يثبت أنه كان “مقدما في قومه” وعالما نزيها انتصر للمبادئ الإسلامية السمحة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
أضف تعليقكx
()
x