2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نساء في الواجهة (ح20): ليلى أبو زيد… قلم نسائي كتب ذاكرة المغرب
نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).
سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..
وسيكون موضوع حلقة اليوم، الناشطة النسائية ليلى أبو زيد، الكاتبة النسائية التي جعلت من قضايا المجتمع والهامش مرآة لمشروعها الأدبي.
ليلى أبو زيد.. قلم نسائي كتب ذاكرة المغرب
تعد ليلى أبو زيد واحدة من أبرز الأصوات الأدبية النسائية في المغرب المعاصر، وقد استطاعت عبر مسارها الإبداعي أن تؤسس لنوع من الكتابة السردية التي تجمع بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الوطني والنقد الاجتماعي.
ولدت سنة 1950 في بلدة القصيبة قرب بني ملال في بيئة مغربية تأثرت بقوة بأجواء الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي، وهو المناخ الذي سيترك أثرا عميقا في وعيها المبكر ويصبح لاحقا أحد المنابع الأساسية لكتابتها الأدبية. فقد عاشت طفولتها في زمن التحولات الكبرى التي عرفها المغرب خلال مرحلة الاستقلال، وهو ما سيجعل كثيرا من نصوصها تعود إلى تلك الفترة لاستحضار تفاصيلها الاجتماعية والسياسية.
تابعت دراستها الجامعية في الرباط حيث درست اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة محمد الخامس، قبل أن تسافر إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراستها في جامعة تكساس في أوستن.
وقد ساهم هذا التكوين المزدوج بين الثقافة العربية والتجربة الغربية في توسيع أفقها الفكري والأدبي. بعد عودتها إلى المغرب اشتغلت في الصحافة، فعملت في التلفزيون المغربي ثم في عدد من الدواوين الوزارية، كما مارست الترجمة والكتابة الأدبية إلى جانب عملها الإعلامي، لتصبح تدريجيا إحدى الشخصيات الثقافية البارزة في المشهد الأدبي المغربي.
تميزت تجربة ليلى أبو زيد الأدبية بتنوع الأجناس التي كتبت فيها، إذ اشتغلت على الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وأدب الرحلة، إضافة إلى الترجمة من الإنجليزية إلى العربية.
من أبرز أعمالها السردية رواية عام الفيل التي تعد من أهم نصوص الأدب المغربي الحديث، إلى جانب رواية الفصل الأخير وكتاب السيرة الذاتية رجوع إلى الطفولة الذي تستعيد فيه ذكرياتها في زمن الاستعمار وتجربة عائلتها المرتبطة بالحركة الوطنية.
كما ترجمت عددا من الأعمال الفكرية والتاريخية المهمة إلى العربية، من بينها السيرة الذاتية لمالكوم إكس وسيرة الملك محمد الخامس، وهو ما يعكس اهتمامها بالتاريخ السياسي والثقافي.
تكتسب رواية عام الفيل مكانة خاصة في مسارها الأدبي، إذ تقدم من خلالها قراءة نقدية لمرحلة ما بعد الاستقلال في المغرب. فمن خلال قصة امرأة تعود إلى حياتها العادية بعد نهاية مرحلة النضال، تكشف الرواية عن التناقض بين الأحلام التي حملها جيل المقاومة والواقع الاجتماعي والسياسي الذي تبلور لاحقا، حيث تتحول فرحة الاستقلال إلى شعور بالخيبة لدى بعض المناضلين الذين وجدوا أنفسهم على هامش التحولات الجديدة.
وعلى مستوى الأفكار، يقوم المشروع الأدبي لليلى أبو زيد على عدة محاور أساسية. أولها استحضار الذاكرة الوطنية المغربية، خاصة تجربة الاستعمار والمقاومة، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة للحفاظ على تلك الذاكرة وإعادة قراءتها.
أما المحور الثاني فهو قضايا المرأة المغربية داخل مجتمع تقليدي، إذ تقدم في أعمالها شخصيات نسائية تواجه القيود الاجتماعية لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تأكيد ذاتها داخل المجتمع. كما تهتم بموضوع التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، وما رافقها من صراعات بين القيم التقليدية والواقع الجديد.
ومن الأفكار المركزية أيضا في كتابتها مسألة الهوية الثقافية واللغوية، إذ اختارت الكتابة بالعربية في زمن كان كثير من الأدباء المغاربة يكتبون بالفرنسية، وهو اختيار يحمل دلالة ثقافية مرتبطة بالرغبة في إعادة الاعتبار للغة العربية داخل الأدب المغربي.
وبفضل هذا المسار الأدبي الغني أصبحت ليلى أبو زيد إحدى رائدات الكتابة النسائية في المغرب، كما ترجمت أعمالها إلى عدد من اللغات العالمية، مما ساهم في تعريف القارئ الدولي بالأدب المغربي المكتوب بالعربية.