لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. حدو العقرب وحكاية “شبيرات” الأحياء

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم:

كانت طنجة في ثمانينيات القرن الماضي مدينةً مليئة بالتناقضات. على ضفاف البحر كانت تبدو هادئة وجميلة، لكن خلف ذلك الجمال كانت أحياءٌ شعبية تعيش حياةً صعبة، حيث الفقر والهشاشة وقلة الإمكانات. في أطراف المدينة، كانت حومة الشوك—التي أصبحت تُعرف لاحقاً بحي بن كيران—من بين تلك الأماكن التي نشأت فيها بيوت بسيطة من الطين والخشب، بلا ماء جارٍ ولا كهرباء. كان السكان يتجمعون كل صباح حول “السبيلة” لجلب الماء، وتضيء بيوتهم ليلاً بقناديل الغاز الصغيرة.

في تلك الأجواء نشأ شاب اسمه محمد حدو، وُلد في ستينيات القرن الماضي وسط أسرة بسيطة تضم أربعة إخوة. كان في طفولته مختلفاً عمّا سيصبح عليه لاحقاً؛ فقد وصفه جيرانه بأنه فتى هادئ ومؤدب، متفوق في دراسته، ويحب مساعدة والدته في شؤون البيت. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الشاب الهادئ سيصبح يوماً “شبيرة” يخشاه الناس في الحي كله.

حين يتحوّل الغضب الصغير إلى أسطورة خوف

لكن الحياة في الأحياء الهامشية كانت قاسية، وكانت الأحداث الصغيرة قادرة على تغيير مسار الإنسان بالكامل. ذات يوم، وأثناء تجمع النساء حول السبيلة لجلب الماء، دخلت والدة محمد في شجار مع بعض نساء الحي. لم تكن المشاحنات في تلك الأماكن أمراً غريباً، لكنها تحولت تلك المرة إلى إهانة علنية. صرخت الأم تستغيث بابنها، فخرج محمد غاضباً، حاملاً سكيناً كبيرة ليُرهب من حوله. اندلع شجار عنيف، وتلقى خلاله ضربة قوية في وجهه. يقول بعض من حضروا الواقعة إن تلك اللحظة كانت نقطة التحول التي غيّرت حياته.

بعد ذلك اليوم، لم يعد محمد ذلك الشاب الهادئ. بدأ الناس يلاحظون تغيراً في سلوكه؛ صار سريع الغضب، يميل إلى العنف، ويبحث عن الهيبة بأي طريقة. شيئاً فشيئاً، بدأت سمعته تتغير، وظهر لقب جديد يرافق اسمه: “العقرب”. كان اللقب يعكس طبيعته الجديدة، فالعقرب لا يلدغ إلا حين يقترب منه أحد، لكنه حين يفعل يترك أثراً مؤلماً.

مع مرور السنوات، صار العقرب اسماً معروفاً في أحياء طنجة الشعبية. في تلك الفترة كانت ظاهرة “حرب الحوام” أو حرب الأحياء منتشرة بين الشباب، حيث يحاول كل واحد إثبات قوته داخل الحي أو أمام أحياء أخرى. كانت المواجهات تحدث في الأزقة أو في أماكن مرتفعة على أطراف المدينة، حيث يجتمع الشباب للتحدي وإظهار الشجاعة. هناك، بدأت حكايات العقرب تنتشر، حتى صار اسمه وحده كافياً لإثارة الخوف.

ورغم سمعته المخيفة، ظل بعض سكان الحي يرون فيه شخصاً مختلفاً عندما يكون بينهم. كانوا يقولون إنه لا يؤذي أبناء حومته كثيراً، وأن مشاكله غالباً ما تقع مع الغرباء أو مع من يتحداه. لكن عالم العنف لا يترك مساحة كبيرة للنجاة، فكل مواجهة كانت تزيد من سمعته، وكل قصة جديدة كانت تجعل صورته أكثر رعباً في مخيلة الناس.

مرت السنوات، وأصبحت حياة العقرب سلسلة من الصراعات والمواجهات. دخل السجن أكثر من مرة، وخرج ليعود إلى نفس الدائرة من العنف. ومع ذلك، ظل الكثيرون يرددون أن بداخله بقايا ذلك الشاب القديم الذي كان يوماً مجتهداً في المدرسة وهادئ الطبع.

انتهت قصة العقرب كما تنتهي كثير من قصص العنف في الأحياء المهمشة: نهاية مأساوية تركت وراءها حكايات كثيرة وروايات متضاربة. بعض الناس رأوا فيه مجرماً خطيراً، بينما اعتبره آخرون ضحية لظروف قاسية صنعت منه ما أصبح عليه.

لكن المؤكد أن اسمه بقي في ذاكرة حومة الشوك لسنوات طويلة، ليس فقط كقصة عن رجل مخيف، بل كحكاية عن مدينةٍ كانت في مرحلة صعبة من تاريخها، وعن شبابٍ وجدوا أنفسهم بين الفقر والغضب، فاختاروا طرقاً لم تكن تقود إلا إلى الظل.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x