2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم:
في قلب السوق البراني بسيدي بوعبيد بمدينة طنجة، يقف مبنى قديم هادئ، يبدو للمارّة مجرد مركز صحي بسيط، يحمل اسماً فرنسيا من بقايا حقبة غابرة.
لكن خلف جدرانه تختبئ حكاية إنسانية تعود لأكثر من قرن، حين كان الطبيب الفرنسي جول كوت يجوب الأزقة الضيقة حاملاً حقيبته الطبية، باحثاً عن المرضى الذين لا يملكون ثمن الدواء ولا حتى أجرة الكشف.
المستوصف الذي وُلد من الرحمة
في بداية القرن العشرين، كانت طنجة مدينة مزدحمة بالتجار والبحارة والغرباء، لكن خلف صخب الميناء كانت هناك أحياء فقيرة تعاني المرض وقلة الإمكانيات. كان الناس يطرقون أبواب الأطباء فلا يجدون سوى الفواتير الثقيلة، إلا باباً واحداً ظل مفتوحاً دائماً: باب الطبيب جول كوت.
قرر الطبيب الفرنسي أن يفعل شيئاً مختلفاً. لم يكتفِ بالعيادة الخاصة، بل شرع في بناء مستوصف صغير في السوق البراني، قريباً من البيوت المتواضعة التي يسكنها العمال والبسطاء. كان يقول دائماً إن الطب لا معنى له إذا لم يصل إلى الفقراء. هكذا وُلد المستوصف الذي سيحمل اسمه لاحقاً: “مستوصف جول كوت”.

منذ الأيام الأولى، بدأ الناس يتوافدون عليه من كل أحياء طنجة وحتى من القرى المجاورة. كانت الأمهات يحملن أطفالهن المرضى، ويأتي الشيوخ متكئين على عصيهم، بينما ينتظر البحارة دورهم بصبر. لم يكن الطبيب يسأل أحداً عن المال، بل كان يسأل فقط عن الألم.
كان يعالج الجميع بالمجان، ويقضي ساعات طويلة بين المرضى، يربت على كتف هذا ويطمئن تلك. أما الممرضات والأطباء الذين عملوا معه فكانوا يذكرون دائماً لطفه وإنسانيته، فقد كان يعتبرهم شركاء في رسالة إنسانية لا مجرد موظفين.
شيئاً فشيئاً، أصبح المستوصف ملاذاً للفقراء. كان البعض يقول إن من لا يملك شيئاً في طنجة آنذاك يملك على الأقل باب مستوصف جول كوت. وكان يقال أن الطبيب نفسه يخرج أحياناً إلى الأزقة لزيارة المرضى الذين لا يستطيعون الوصول إليه.

مرت السنوات، وكبر اسم الطبيب في المدينة، لكن حياته كانت تسير نحو نهايتها بهدوء. ففي صباح شتوي حزين، يوم الثالث من فبراير سنة 1922، انتشر الخبر بين سكان طنجة: الطبيب جول كوت توفي.
ساد الصمت في الأزقة التي عرفته، وشعر كثيرون أن المدينة فقدت واحداً من أكثر أبنائها رحمة، رغم أنه لم يكن من أبنائها في الأصل. حضر الناس من مختلف الأحياء لتوديع الرجل الذي عالجهم دون مقابل، والذي جعل من الطب عملاً إنسانياً قبل أن يكون مهنة.
ومع مرور الزمن تغيرت أشياء كثيرة في طنجة، لكن المستوصف ظل قائماً في مكانه بالسوق البراني، يواصل تقديم خدماته للفقراء كما أراده مؤسسه. كل جدار فيه يروي قصة، وكل غرفة تحمل صدى خطوات طبيب كان يؤمن بأن إنقاذ إنسان واحد قد يغير العالم.
وهكذا بقي اسم جول كوت حياً في ذاكرة المدينة، ليس فقط كطبيب، بل كحكاية إنسانية عن رجل اختار أن يجعل من الرحمة طريقه، ومن خدمة الفقراء رسالته التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
