2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
الحرب دون إعلان: إشكالية استخدام القوة العسكرية في النظام الدستوري الأمريكي
حميد عسلي
تنص الفقرة الثامنة من المادة الأولى لدستور الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل واضح ولا لبس فيه، على أنه من بين السلطات الممنوحة للكونغرس صلاحية “إعلان الحرب، والتفويض برد الاعتداء..“ فيما تناط السلطة التنفيذية برئيس الدولة وذلك بموجب الفقرة الأولى للمادة الثانية من نفس الدستور، وبمعنى آخر فرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ينفذ القرارات الصادرة في هذا المجال عن الكونغرس. لكن الملاحظ ان الولايات المتحدة الأمريكية قد خاضت مجموعة من “الحروب” دون موافقة صريحة أو تفويض من الكونغرس، فهل قرار مهاجمة إيران بتاريخ 28 فبراير من هذه السنة والذي مازال قائما يعد قرارا لا دستوريا في ظل غياب حالة إعلان الحرب المشار إليها سالفا؟ وهل يوجد ما يشرعن هذه الوضعية في القوانين الأمريكية؟
في قراءة قانونية للمقتضيات الدستورية للولايات المتحدة الأمريكية، فقرار “إعلان الحرب” يبقى اختصاصا حصريا لمجلس الشيوخ على الرغم من أن نفس الدستور ينص على ان رئيس الدولة يكون “قائداً أعلى لجيش وبحرية الولايات المتحدة، ولمليشيات مختلف الولايات عندما تدعى إلى الخدمة الفعلية لدى الولايات المتحدة”، وبذلك فالدستور الأمريكي لا يعطي سلطة دخول الحرب وإعلانه للرئيس وإنما يخوله تنفيذ هذا القرار إن اتخذ من طرف مجلس الشيوخ، وبالعودة إلى النزاعات التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الموالية للحرب العالمية الثانية نجد أنها جميعها لم توصف بالحرب وإنما بمصطلحات من قبيل تدخل عسكري سريع او ضربة محدودة وغيرها من المصطلحات التي في هي في الواقع إعلان حرب مكتمل الأركان من حيث المضمون، فتسخير القوة يشمل القوة العسكرية البرية والبحرية والجوية وتحريك المدمرات وناقلات الطائرات وغيرها، لكن من حيث الشكل فهي في نظر المشرع الأمريكي لا ترقى لحرب لكون هذه الأخيرة تستوجب موافقة مجلس الشيوخ.
هنا نجد ان قرار استخدام القوة من طرف رئيس الدولة يرتكز على صلاحية قانونية لكنها لا ترقى إلى درجة دستورية، ويتعلق الأمر بقانون أقره الكونغرس سنة 1973 إبان الحرب على الفيتنامية وهو “قرار صلاحيات الحرب” الذي يخول صلاحيات محدودة للرئيس باستخدام القوات في أعمال حربية، فبالإضافة إلى حالة إعلان الحرب من طرف مجلس الشيوخ، لدى الرئيس سلطة تحريك القوة واستخدامها في حالة الطوارئ الناجمة عن هجوم على الدولة او أراضيها أو ممتلكاتها أو قواتها المسلحة، وذلك بعد التشاور مع الكونغرس وإبلاغه كتابيا خلال 48 ساعة بنوعية الاستخدام وحجمه ومداه والأسباب التي دعت إلى ذلك. ويكون حينها لدى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مدة 60 يوما لإنهاء التدخل مع إمكانية تمديدها مرة واحدة ولشهر واحد.
وإذا كان قانون صلاحية الحرب قد يضفي نوعا من “الشرعية القانونية الداخلية” لاستخدام القوة وشن مجموعة من الحروب فإن النقاش الدستوري داخل الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص هذا القانون يعرف تأويلات جد متباينة، فمن جهة يرى الرئيس بكون هذا القرار لا يتسم بالدستورية، ويحد من صلاحياته باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، الموكول إليه الدفاع عن الدولة وحفظ أمنها وعلى ذلك يؤدي القسم الدستوري خلال مراسيم تعيينه. وبالمقابل يرى الكونغرس في القرار آلية تنفيذية ومرنة تسمح لرئيس الدولة باتخاذ ما يلزم للدفاع عن أرض ومصالح الولايات المتحدة وإدارة الشؤون السياسية الخارجية للبلاد عند الحاجة، لكن يرون أن قرار إعلان الحرب هو اختصاص ذاتي وأصيل للكونغرس، لكونه قرارا كبير لابد أن يحظى بموافقة وتفويض صريحين من المجلس نظرا لكلفته على جميع المستويات.
وبين هذا التأويل وذاك، فالمتتبع للتدخلات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في مجموعة من النزاعات قد تجاوزت هذه الإشكاليات الدستورية الداخلية، وفي كثير من الأحيان يتم تقديم مصوغات وأسباب غير حقيقية كما وقع أثناء غزو العراق مطلع الألفية بادعاءات غير دقيقة بوجود أسلحة نووية، وتارة أخرى بحجج محاربة الدكتاتورية وترسيخ الديمقراطية كما وقع في فينزويلا وقبلها بليبيا، أو لمحاربة الإرهاب كما وقع مع أفغانستان وغيرها في العديد من التدخلات العسكرية الدامية. فبين هذا وذاك، تم تدمير دول عديدة بحجج مختلفة لكن الثابت في كل الحالات، عشرات الآلاف من القتلى في صفوف المدنيين من أطفال وعزل تسقط نتيجة لحسابات السيطرة الجيواستراتيجية وبسط النفوذ واستغلال الثروات، في ظل قانون دولي لا يسمو إلا على دول الصف الثالث، وشلل تام لأبرز منظمة وجدت لتطبيقه واستتباب السلم والأمن الدوليين.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.