2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
هل يهدد إغلاق مضيق هرمز منتجات الفوسفاط بالمغرب؟ ( الفينة يُجيب)
تلقي الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط بظلالها على إنتاج مشتقات الفوسفاط، التي يعد المغرب أحد أبرز منتجيه في العالم.
وتسبب توقف إنتاج الأسمدة في الخليج، جراء الهجمات الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز في ارتباك حاد لسلاسل التوريد العالمية.
كما يؤدي الحصار المفروض على المضيق وإغلاق منشآت الإنتاج، لا سيما في قطر والإمارات، إلى شلل الصادرات من منطقة تورد ثلث إنتاج اليوريا والأمونيا المتداول عالميا ونصف إنتاج الكبريت، التي تشكل موادا لا غنى عنها في إنتاج مشتقات الفوسفاط، خصوصا الأسمدة.
للإشارة، فإن حوالي 20 مليون طن من مادة الكبريت، تمر سنويا عبر مضيق هرمز، بما يمثل نصف التجارة البحرية العالمية لهذه المادة الضرورية لإنتاج حمض الكبريتيك، والذي يستخدم بدوره في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية بنسبة تصل إلى 75%.
وبحسب بيانات البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لعام 2024، يتصدر المغرب قائمة مستوردي الكبريت الخام عالميا بقيمة 1.83 مليار دولار. وعليه فإن السؤال المطروح هو: هل يهدد إغلاق مضيق هرمز على منتجات الفوسفاط بالمغرب؟ بنشوب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، أي تأثير على إنتاج الفوسفاط والأسمدة بالمغرب وعلى القطاع الفلاحي بالمملكة؟

في السياق يرى ادريس الفينة، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، أن مضيق هرمز عاد ليحتل موقعا محوريا في النقاشات الاقتصادية العالمية في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الخليج.
وشدد الفينة، في معرض جوابه على أسئلة ”آشكاين” على أن المضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية لا يمثل فقط شريانا حيويا للطاقة، بل أصبح أيضًا نقطة حساسة في سلاسل الإمداد الصناعية، خاصة تلك المرتبطة بالكبريت، أحد أهم المدخلات الأساسية في صناعة الأسمدة.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، يضيف ذات الخبير، حيث تشير معطيات البنك الدولي والتجارة الدولية إلى أنه يعد اليوم أكبر مستورد للكبريت في العالم.
وأوضح الحبير الاقتصادي أن هذا الرقم يبدو للوهلة الأولى مفارقة اقتصادية، لكنه في الواقع يعكس المكانة الصناعية المتقدمة التي يحتلها المغرب في السوق العالمية للأسمدة الفوسفاتية.
فالمغرب، عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، يعد من أكبر منتجي ومصدري الأسمدة الفوسفاتية في العالم. غير أن تحويل الفوسفاط الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مثل حمض الفوسفوريك والأسمدة المركبة، يتطلب استخدام حمض الكبريتيك، الذي يُنتج أساسًا من الكبريت. لذلك فإن الطلب المغربي الكبير على الكبريت يرتبط مباشرة بحجم الإنتاج الصناعي للأسمدة، وليس بالاستهلاك الداخلي فقطن يشرح الفينة.
من هذا المنطلق، فإن أي اضطراب في إمدادات الكبريت العالمية قد يثير تساؤلات حول تأثيره المحتمل على الإنتاج الصناعي بالمغرب. ويبرز هنا احتمال إغلاق مضيق هرمز في حال تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، خاصة وأن جزءًا مهمًا من تجارة الكبريت العالمية يمر عبر دول الخليج.
لكن التحليل الاقتصادي الدقيق يقتضي، بحسب المتحدث، التمييز بين التأثيرات القصيرة الأمد والتأثيرات الهيكلية طويلة الأمد.
في المدى القريب، من غير المرجح أن يؤدي أي اضطراب مؤقت في الملاحة عبر المضيق إلى توقف إنتاج الأسمدة في المغرب. فالشركات الصناعية الكبرى، وعلى رأسها مجموعة OCP، تعتمد عادة على عقود توريد طويلة الأمد، كما تحرص على الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية من المواد الأولية لتأمين استمرارية الإنتاج في حال حدوث اضطرابات ظرفية في الأسواق العالمية.
إضافة إلى ذلك، شهدت السنوات الأخيرة، وفق تعبير الفينة، تحولًا مهمًا في خريطة موردي الكبريت للمغرب. فبعد أن كانت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر، تمثل المصدر الرئيسي للإمدادات، أصبح كازاخستان أحد أهم الموردين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع مصادر التوريد وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات الطاقة التقليدية.
غير أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تأثيرات غير مباشرة، خصوصًا من خلال ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين وارتفاع أسعار الكبريت في الأسواق العالمية. وفي هذه الحالة، قد ترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة عالميًا، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعارها في الأسواق الدولية.
أما بالنسبة للقطاع الفلاحي في المغرب، قال الفينة إن التأثير المباشر ”يبقى محدودًا في المدى القصير. فجزء كبير من الأسمدة المنتجة في المغرب موجه أساسًا للتصدير نحو الأسواق العالمية، بينما يتم تزويد السوق الوطنية وفق سياسات دعم وتوزيع خاصة تهدف إلى ضمان استقرار الإنتاج الفلاحي”.
لكن على المستوى العالمي، وفقا للحبير الاقتصادي دائما، قد يكون لاضطراب إمدادات الكبريت أثر أوسع، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الأسمدة في الأمن الغذائي العالمي. فارتفاع أسعار الأسمدة غالبًا ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الغذائية، وهو ما يجعل أي أزمة في سلاسل الإمداد الكيميائية العالمية ذات بعد يتجاوز قطاع الصناعة ليطال الاقتصاد العالمي ككل.