2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم:
وُلد حسن أقصبي في الخامس من دجنبر سنة 1934 بمدينة طنجة، في زمن كانت فيه المدينة تعيش إيقاعاً خاصاً بين البحر والأسواق القديمة وأصوات الأطفال في الأزقة الضيقة. هناك، وسط تلك الحارات التي كانت تعج بالحياة، بدأ شغف الصبي الصغير بكرة القدم. لم يكن يدرك حينها أن الكرة التي كان يركلها بين الأصدقاء ستقوده يوماً إلى ملاعب أوروبا، وأن اسمه سيُذكر بين أبرز الهدافين في تاريخ الدوري الفرنسي.
كانت خطواته الأولى في عالم الكرة مع نادي الفتح الرباطي سنة 1952. في ذلك الوقت كان أقصبي شاباً موهوباً يتميز بسرعة الحركة وحس تهديفي لافت، ما جعله يلفت الأنظار سريعاً. لعب مع الفتح إلى غاية سنة 1955، وهناك بدأت موهبته تتبلور أكثر، قبل أن تأتي اللحظة التي ستغير مسار حياته الكروية بالكامل: الاحتراف في فرنسا.

من طنجة إلى ملاعب فرنسا
سنة 1955 انتقل أقصبي إلى نادي نيم أولمبيك الفرنسي، وهناك بدأت حكاية لاعب مغربي سيصنع اسماً كبيراً في كرة القدم الأوروبية. في نيم لم يكن مجرد مهاجم عادي، بل تحول إلى ماكينة أهداف حقيقية. خلال ستة مواسم خاض 204 مباريات وسجل 119 هدفاً، وهو رقم جعل الجماهير الفرنسية تتحدث بإعجاب عن المهاجم القادم من المغرب.
بفضل هذا التألق، أصبح أقصبي أحد أبرز هدافي الدوري الفرنسي في تلك الفترة. قدرته على التمركز داخل منطقة الجزاء وسرعته في إنهاء الهجمات جعلته لاعباً يصعب إيقافه. ومع مرور السنوات صار اسمه مرتبطاً بنادي نيم، حتى أصبح الهداف التاريخي للفريق بأكثر من 140 هدفاً، وهو إنجاز بقي طويلاً في ذاكرة النادي.
نجاحه الكبير لم يمر دون أن تلتفت إليه الأندية الكبرى. ففي بداية الستينيات، وبعد إصابة النجم الشهير جاست فونتين، بذل نادي ستاد ريمس جهوداً كبيرة للتعاقد مع المهاجم المغربي. وفي سنة 1961 تحقق ذلك الانتقال، لينضم أقصبي إلى واحد من أبرز الأندية الفرنسية في ذلك الوقت.

في ريمس واصل اللاعب المغربي تألقه، حيث شارك في 78 مباراة وسجل 48 هدفاً، مؤكداً أنه واحد من أخطر المهاجمين في الدوري. غير أن الظروف المالية للنادي سنة 1963 أجبرت الإدارة على بيع بعض نجومها، وكان أقصبي من بينهم. انتقل حينها إلى نادي موناكو، لكن تجربته هناك لم تدم طويلاً؛ فقد لعب 11 مباراة فقط وسجل 6 أهداف قبل أن يعود مجدداً إلى نادي ريمس ليستعيد جزءاً من بريقه.
على المستوى الدولي، ارتدى أقصبي قميص المنتخب المغربي في بداية الستينيات، لكن مشاركاته لم تكن منتظمة بسبب الصعوبات التي كان يواجهها اللاعبون المحترفون في أوروبا للالتحاق بالمنتخب. ومن أبرز المباريات التي خاضها تلك المواجهة الشهيرة أمام إسبانيا في مدريد ضمن تصفيات كأس العالم 1962. يومها خسر المغرب بصعوبة بهدف واحد، في مباراة بقيت في الذاكرة بعدما أضاع أقصبي فرصة كانت قد تمنح المنتخب فوزاً تاريخياً.
كما سجل حضوره في مباراة ودية قوية أمام ألمانيا الشرقية سنة 1960، حين أحرز هدفي المنتخب المغربي رغم الخسارة بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين. كانت تلك اللحظات تؤكد مكانة المهاجم الطنجي كأحد أبرز لاعبي جيله.

وفي أواخر مسيرته عاد أقصبي إلى فريقه الأول الفتح الرباطي سنة 1965، حيث لعب إلى غاية اعتزاله سنة 1970. ورغم ابتعاده تدريجياً عن الأضواء، ظل اسمه حاضراً في سجلات كرة القدم، خاصة بعدما صنف كأفضل هداف إفريقي في تاريخ الدوري الفرنسي برصيد 173 هدفاً، محتلاً المركز الحادي عشر في قائمة الهدافين التاريخيين للمسابقة.
كانت مسيرة حسن أقصبي أكثر من مجرد أرقام وإنجازات؛ كانت قصة لاعب خرج من مدينة طنجة ليصنع مجداً كروياً في أوروبا. ومع رحيله في نونبر 2024، طُويت صفحة من صفحات الجيل الذهبي لكرة القدم المغربية، لكن اسمه بقي محفوراً في ذاكرة الملاعب التي شهدت تألقه، وفي قلوب الجماهير التي صفقت طويلاً لهداف جاء من ضفة المتوسط ليكتب اسمه بين كبار اللعبة.