2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم:
في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن أرنولد جينث يتخيل أن حياته ستنقلب رأساً على عقب بسبب آلة صغيرة من المعدن والزجاج. وُلد سنة 1869 في ألمانيا، ونشأ في بيئة أكاديمية دفعته إلى دراسة اللغات وفقهها، حتى أصبح أستاذاً شاباً في برلين. كان مستقبله يبدو واضحاً: قاعات الجامعة، الكتب الثقيلة، وحياة هادئة بين الطلاب والمخطوطات. لكن القدر كان يخبئ له طريقاً آخر، طريقاً تقوده الكاميرا بدل الكتب.
جاء التحول حين قرر السفر إلى الولايات المتحدة مرافقاً ومعلماً لابن أحد النبلاء الألمان. كانت الرحلة في البداية مجرد مغامرة عابرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى بداية حياة جديدة. استقر جينث في مدينة سان فرانسيسكو، وهناك اكتشف شغفه الحقيقي بالتصوير الفوتوغرافي. لم يكن التصوير بالنسبة إليه مجرد تقنية أو مهنة، بل وسيلة لفهم العالم. شيئاً فشيئاً افتتح استوديو خاصاً به، وأصبح واحداً من أشهر المصورين في المدينة، يقصده الفنانون والشخصيات المعروفة لالتقاط صورهم.
كان جينث يؤمن بأن الكاميرا ليست مجرد أداة لحفظ اللحظة، بل وسيلة لاكتشاف المجتمعات والثقافات. لذلك لم يكتفِ بالعمل داخل الاستوديو، بل بدأ يسافر باحثاً عن أماكن جديدة تحمل قصصاً مختلفة. وفي عام 1904 قادته رحلته إلى مدينة طنجة، التي كانت آنذاك واحدة من أكثر المدن انفتاحاً وغموضاً في العالم.

حين اكتشف طنجة بعدسة الكاميرا
حين وصل جينث إلى طنجة، وجد مدينة تختلف عن كل ما رآه من قبل. كانت المدينة في مطلع القرن العشرين ملتقى للتجار والدبلوماسيين والرحالة القادمين من جهات مختلفة. في شوارعها كانت اللغات تختلط كما تختلط الروائح في الأسواق: العربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية، كلها تتردد في الأزقة نفسها. بالنسبة لمصور يبحث عن الحياة في أبسط تفاصيلها، كانت طنجة أشبه بمسرح مفتوح لا ينتهي.
حمل جينث كاميرته وبدأ يتجول في أزقة المدينة القديمة. في المدينة العتيقة كانت الأزقة الضيقة تتعرج بين البيوت البيضاء، بينما تنساب الحياة اليومية بهدوء: أطفال يركضون، تجار يعرضون بضائعهم، ونساء يعبرن الأسواق بلباس تقليدي يلفت النظر. لم يكن المصور الألماني يلتقط الصور على عجل؛ كان يتوقف طويلاً، يراقب المشهد، ثم يرفع الكاميرا كمن يحاول الإمساك بروح اللحظة قبل أن تختفي.
كانت إحدى أكثر الأماكن التي جذبته هي الساحة الكبيرة التي تعج بالحركة، حيث يتقاطع القادمون من المدينة القديمة مع المسافرين والتجار. هناك التقط صوراً للحياة اليومية في ذروتها: بائعون ينادون على بضاعتهم، قوافل صغيرة من الحمير المحملة بالسلع، ووجوه تعكس تنوع المدينة وثقافاتها.

لكن ما ميّز صور جينث لم يكن المشهد العام فقط، بل اهتمامه بالتفاصيل الإنسانية. كان يركز على الوجوه، على نظرات العابرين، وعلى الطريقة التي يجلس بها الناس في الأسواق أو يتجمعون في الأزقة. في صوره يظهر الناس بملابسهم التقليدية، وتبدو الحركة اليومية للمدينة وكأنها قصة تُروى بلا كلمات.
لم يكن هدفه تصوير المعمار وحده، بل محاولة فهم المجتمع من خلال الصورة. لذلك بدت أعماله وكأنها تجمع بين الفن والدراسة الإنسانية في الوقت نفسه. كانت عدسته تبحث عن العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الحياة اليومية والفضاء الذي يحتضنها.
مرت سنوات طويلة بعد تلك الرحلة، وتغيرت طنجة كثيراً. توسعت المدينة وتبدلت ملامحها مع التحولات العمرانية الحديثة، واختفت بعض المشاهد التي التقطتها كاميرا جينث في بداية القرن العشرين. لكن صوره بقيت شاهدة على زمن مختلف، زمن كانت فيه طنجة مدينةً تتنفس ببطء بين البحر والأسواق القديمة.
اليوم، تُقرأ تلك الصور كوثائق تاريخية ثمينة. فهي لا تقدم مجرد مشاهد جميلة، بل تحفظ لحظات من حياة مدينة كانت في ذلك الوقت ملتقى للثقافات والطرق البحرية والقصص القادمة من كل الجهات. ومن خلال تلك اللقطات الصامتة، استطاع أرنولد جينث أن يمنح طنجة ذاكرة بصرية نادرة، ذاكرة تجعل الماضي يعود للحياة كلما نظر أحد إلى تلك الصور القديمة.
