لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح25): زهرة رميج.. حين تتحول الكتابة إلى مقاومة ضد النسيان

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الروائية والكاتبة المغربية الزهرة رميج..

زهرة رميج.. حين تتحول الكتابة إلى مقاومة ضد النسيان

ولدت الكاتبة المغربية الزهرة رميج سنة 1950، وتعد واحدة من الأصوات النسائية البارزة في السرد المغربي المعاصر، درست الأدب العربي واشتغلت بالتدريس لسنوات طويلة قبل أن تتفرغ للكتابة بعد تقاعدها، وهو مسار مهني وإنساني منح تجربتها الأدبية تماساً مباشراً مع المجتمع وتحولاته، انخرطت أثناء حياتها الطلابية في حركة اليسار التي ساهمت في بناء نظرتها المتعددة الأبعاد للواقع، وإيمانها بقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والفكر التحرري.

وقد انخرطت مبكرا في الحياة الثقافية المغربية، وأصبحت عضوا في اتحاد كتاب المغرب، كما ترجمت بعض أعمالها إلى لغات أجنبية عدة، ما ساهم في التعريف بتجربتها خارج المغرب.

في تجربة رميج تبدو الكتابة أكثر من مجرد فعل جمالي؛ إنها موقف أخلاقي ورؤية للعالم. فالكاتبة تنظر إلى الأدب بوصفه أداة لكشف الاختلالات التي يعيشها المجتمع، ووسيلة للدفاع عن القيم الإنسانية في مواجهة الفساد والاستبداد والرداءة. لذلك لا تنفصل الكتابة في مشروعها السردي عن هم اجتماعي واضح، يجعل النص الأدبي شاهدا على زمنه، ومرآة تعكس ما يعتمل في الواقع من صراعات وآلام.

تصف رميج الكتابة بأنها “رئة ثانية” تتنفس بها في عالم يزداد اختناقا. فالواقع، كما تراه، مثقل بالتوترات والخيبات، والكتابة تمنحها مساحة للتعبير عن القلق والأمل معا. وهي لا ترى في الأدب مجرد حكايات للتسلية، بل وسيلة لرفع وعي المجتمع والارتقاء بذائقته الفكرية والجمالية. ومن هنا فإن علاقة المبدع بالسلطة السياسية تظل، في نظرها، علاقة ملتبسة، لأن المبدع الحر يسعى إلى نشر الوعي وكشف مواطن الخلل، بينما تميل السلطة غالبا إلى تجنب هذا الصوت النقدي.

تتجه أعمال رميج السردية إلى معالجة قضايا اجتماعية وسياسية متعددة، مثل تجربة الاعتقال السياسي، ومعاناة المرأة في البادية المغربية، والنضال الطلابي في سبعينيات القرن الماضي، إضافة إلى أوضاع الفئات الهشة والمهمشة. وهي ترى أن الرواية يمكن أن تكون شهادة أدبية على التحولات التي يعيشها المجتمع، وأن مهمة الكاتب هي إزالة الأقنعة التي تخفي هذه الحقائق.

ومن أبرز أعمالها رواية “عزوزة” التي حققت انتشارا واسعا في المغرب والعالم العربي. وتعود أسباب هذا النجاح، في نظر الكاتبة، إلى قدرتها على التقاط تفاصيل الحياة المغربية اليومية، وتوظيف الثقافة الشعبية والعادات والتقاليد داخل نسيج سردي بسيط في لغته وعميق في دلالاته.

كما أن الرواية تغوص في معاناة المرأة القروية تحت وطأة التقاليد والسلطة الذكورية، وهو ما جعل كثيرا من القراء يشعرون بأنهم يجدون أنفسهم داخل شخصياتها وأحداثها. وقد بلغ تأثير الرواية حد إدراج مقطع منها في مقرر اللغة العربية للسنة السادسة ابتدائي بعنوان “زواج الطفلة عزوزة”.

أما في روايتها “رسائل دامية” الصادرة سنة 2025، فتنتقل الكاتبة إلى موضوع اجتماعي شديد الحساسية، هو معاناة خادمات البيوت. من خلال شخصية الخادمة الشابة “دامية” تكشف الرواية وجها خفيا من المجتمع، حيث تختبئ خلف الواجهات اللامعة قصص الاستغلال والقهر. واختارت رميج أن تكتب الرواية في شكل رسائل، حتى تمنح بطلتها صوتا مباشرا يروي تجربتها ومعاناتها دون وساطة.

وفي عمق هذه الأعمال يبرز إيمان رميج بأن العلم والمعرفة هما الطريق الحقيقي للتحرر. فشخصياتها النسائية غالبا ما تبحث عن الخلاص عبر التعليم والاستقلال الاقتصادي، باعتبارهما السبيل إلى كسر هيمنة الفكر الذكوري وبناء حياة أكثر كرامة.

كما أن تجربتها الإبداعية لا تنفصل عن الذاكرة، وهو ما يظهر في سيرتها الذاتية “الذاكرة المنسية”، حيث تعود الكاتبة إلى شذرات من ماضيها لتعيد بناء اللحظات التي شكلت وعيها الأدبي والإنساني. فالكثير من عناصر حياتها الخاصة تسرب إلى رواياتها، لأن الذاكرة، في نظرها، هي المادة الخام التي يتشكل منها الإبداع.

هكذا تتشكل تجربة الزهرة رميج بوصفها كتابة تنحاز إلى الإنسان، وتبحث في أعماق المجتمع عن قصصه المسكوت عنها، لتعيد سردها بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وبين الشهادة الأدبية والرغبة في التغيير.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x