2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، ليست كل العائلات معروفة بالمال أو بالسياسة، بعضها صنع نفوذه من طريق آخر: الطريق الصوفي.
وفي الحلقة السادسة والعشرين من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة الوزاني، الاسم الذي ارتبط بمدينة وزان التي صارت تُعرف في الذاكرة الشعبية باسم آخر؛ دار الضمانة.
الحكاية تبدأ في القرن السابع عشر، حين أسس الولي الصالح مولاي عبد الله الشريف الوزاني زاوية صوفية أصبحت واحدة من أهم الزوايا في المغرب.
من تلك اللحظة، لم تعد وزان مجرد مدينة جبلية صغيرة، بل تحولت إلى مركز روحي له امتداد داخل المغرب وخارجه.
ينتمي الوزانيون إلى الأشراف الأدارسة، وتحديدا إلى الفرع اليمليحي المرتبط بسيدي يملح أخي القطب عبد السلام بن مشيش، فالنسب هنا ليس مجرد شجرة عائلية، بل رأس مال رمزي ظل يؤطر مكانة العائلة في المجتمع المغربي لقرون.
الزاوية الوزانية لم تكن مجرد مكان للذكر والتصوف، فقد كانت مؤسسة اجتماعية كاملة.. تعليم، إطعام للفقراء، إصلاح بين القبائل، ووساطة في النزاعات، حتى انتشرت في المغرب مقولة قديمة تقول: “اللي خاف يمشي لوزان”.
المدينة كانت بمثابة ملجأ رمزي، ومن يدخل “دار الضمانة” يحصل على نوع من الحماية الأخلاقية والاجتماعية التي يصعب خرقها.
مع الزمن، اتسع إشعاع الزاوية خارج الحدود المغربية، وصل نفوذها إلى الجزائر وتونس، بل نسجت علاقات مع دوائر دبلوماسية أوروبية خلال القرن التاسع عشر.
ومن أشهر القصص المرتبطة بتاريخ العائلة، حكاية الإنجليزية إميلي كين التي تزوجت أحد شرفاء وزان في القرن التاسع عشر، لتصبح بعد ذلك كانت امرأة أوروبية في قلب مؤسسة صوفية مغربية تقليدية، وهو تداخل غريب بين التصوف والدبلوماسية.
مع بداية القرن العشرين، دخل اسم الوزاني إلى ساحة السياسة الوطنية، وهنا يظهر اسم محمد بن الحسن الوزاني، أحد أبرز زعماء الحركة الوطنية المغربية.
أسس الوزاني حزب الشورى والاستقلال، وخاض منافسة سياسية وفكرية مع قيادات الحركة الوطنية الأخرى، خصوصا مع زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي.
كان معروفا بثقافته الواسعة وبلاغته العربية الصارمة، حيث ويُحكى أن مسؤولين فرنسيين خلال فترة الحماية كانوا يعتبرون لغته السياسية أخطر من سلاح المقاومين.
داخل المجال الثقافي، برز اسم آخر من العائلة وهو التهامي الوزاني، الأديب التطواني الذي كتب رواية “الزاوية” سنة 1942، والتي تعتبر من أوائل الروايات في الأدب المغربي الحديث، وهو نص يجمع بين السيرة الذاتية والتصوف والنقد الاجتماعي.
كما خلفت العائلة تراثا علميا كبيرا، وثقته كتب مثل “التحفة القادرية في مناقب شرفاء وزان والسادة الشاذلية” للمؤرخ عبد السلام القادري، إضافة إلى “فهرسة مولاي عبد الله الشريف الوزاني” التي تعد مرجعا أساسيا في تاريخ الزاوية.
حتى اليوم، ما يزال اسم الوزاني حاضرا في مجالات متعددة، في السياسة، يظهر اسم نجيب الوزاني، وفي الثقافة، باحثون وكتاب يحملون اللقب نفسه، وفي المجال الرياضي، جيل جديد يظهر في الملاعب.
لكن الرابط الذي يجمع هذه الفروع كلها يعود دائما إلى مدينة صغيرة في شمال المغرب.
من يعرفها يدرك أن وزان ليست فقط مكانا جغرافيا، إنها مركز رمزي لعائلة استطاعت أن تبني نفوذها عبر التصوف قبل أن تدخل مجالات السياسة والثقافة.
في الحلقة المقبلة، سنقترب من عائلة أخرى، لنعيد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يصنع النفوذ الثروة.. أم تصنع الثروة النفوذ؟.