2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”..اليسع الأول وتوطيد العقيدة الصفرية في سجلماسة (ح27)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة27: اليسع الأول
ارتبط اسم اليسع بن أبي القاسم (أبو منصور) بتأسيس دولة بني مدرار في سجلماسة، تلك الدولة التي شكلت رقما صعبا في المعادلة الدينية والجيوسياسية والاقتصادية خلال القرن الثاني الهجري.
بالرغم من أن بعض المصادر التاريخية، وعلى رأسها البكري وما نقله عنه مؤرخون لاحقون كابن كثير، قد وصفت اليسع بالكفر والردة بل وأدرجته ضمن قوائم “المتنبتين” أو مدعي النبوة، إلا أن التحليل الرصين لمعطيات التاريخ وسياقاته يفرض إعادة قراءة هذه الشخصية بعيدا عن “تنميط” الخصوم السياسيين والمذهبيين.
رمي اليسع بفرية ادعاء النبوة يبدو في جوهره صراعا على الشرعية الدينية والسياسية، إذ نجد أن ابن خلدون في “العبر” (ج6 ص168) يصفه بأنه المؤسس الحقيقي لدولة بني واسول المعروفة بدولة بني مدرار، مشيرا إلى أن ملكهم استفحل في عهده، وهو الذي أتم بناء سجلماسة وتشييد مصانعها وقصورها.
الاتهامات التي وجهت لليسع بالكفر وادعاء النبوة، كما أوردها البكري في “المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب” (ص149) حين وضعه في سياق واحد مع ميسرة وابن واسول، تنبع في الأساس من انتمائه للمذهب الصفري، وهو مذهب خارجي نادى بالمساواة المطلقة بين المسلمين ورفض احتكار قريش للإمامة.
هذا التوجه العقدي، الذي يرى في الإمامة حقا لكل مسلم كما يوضح ذلك صاحب “الخوارج في المغرب الإسلامي” (ص34)، جعل من زعماء الصفرية هدفا سهلا للتكفير من قبل المذاهب المرتبطة بالخلافة المركزية في المشرق.
وإذا كان ابن عذاري المراكشي في “البيان المغرب” (ج1 ص215) يصف اليسع بأنه كان “جبارا عنيدا”، فإنه في الوقت ذاته يثني على قدرته الإدارية والعسكرية، حيث قهر من عانده من القبائل وأظهر قوة الدولة، وأمر ببناء سور سجلماسة من ماله الخاص دون أن يشرك فيه أحداـ واستطاع تحويل قرية صحراوية إلى مركز تجاري عالمي يربط المغرب ببلاد السودان وغانة.
من الناحية الوظيفية للدولة، لم تكن إمارة سجلماسة في عهد اليسع محض حركة دينية، بل كانت كيانا اقتصاديا مزدهرا اعتمد على تنظيم دقيق للقوافل التجارية وحماية المسالك، وهو ما يذكره ياقوت الحموي في “معجم البلدان” (ج1 ص192) بوصفه لأهل هذه المدينة بأنهم “أغنى الناس وأكثرهم أموالا”، بل يشير إلى حاكم يمتلك رؤية اقتصادية واضحة تجلت في سك العملة واختطاط الأسواق وتأمين طرق الذهب.