2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
سقوط الحلفاء وحصار “الواقعية”.. الجزائر تبحث عن طوق نجاة في مدريد وباريس
في سياق يطبعه التراجع الملحوظ في حدة الخطاب الصدامي للدبلوماسية الجزائرية، تأتي الأنباء الواردة من مدريد حول زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إلى الجزائر في الأسبوع الأخير من شهر مارس الجاري، لتفتح باب التأويلات حول طبيعة “الانعطافة” التي يحاول قصر المرادية القيام بها لفك عزلتها الدولية الآخذة في التفاقم.
الزيارة التي تعد الأولى لألباريس بصفته رئيساً للدبلوماسية الإسبانية، تهدف حسب تقارير صحفية أكدتها مصادر دبلوماسية، إلى التحضير لقمة رفيعة المستوى بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز والرئيس عبد المجيد تبون. هذا التحرك يأتي بعد أزمة دبلوماسية حادة وعميقة افتعلتها الجزائر عقب الدعم الإسباني الصريح لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وهو الموقف الذي ظل لعقود “خطاً أحمر” في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية، قبل أن تصطدم هذه الأخيرة بصلابة الموقف الإسباني والاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء.
ويبدو أن التوجه الجزائري الجديد نحو “التهدئة” مع مدريد، والذي سبقه بأيام مؤشرات انفراج مماثلة مع باريس إثر مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية البلدين، يشير بوضوح إلى أن صانع القرار في الجزائر بدأ يخضع للأمر الواقع. فالجزائر التي راهنت طويلاً على لغة “المقاطعة الدبلوماسية و الاقتصادية” و”الابتزاز الطاقي” لثني القوى الأوروبية عن دعم مغربية الصحراء، وجدت نفسها في عزلة خانقة، خاصة بعد صدور القرار الأممي رقم 2797، الذي كرّس واقعية المقترح المغربي واعترف ضمنياً بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، مما جعل المواقف الجزائرية المتشنجة تبدو “خارج السياق” الدولي.
هذا “النزول من الشجرة” الدبلوماسية، يأتي أيضاً تحت ضغط التحولات الجيوسياسية المتسارعة وسقوط حلفاء الأمس الذين كانت الجزائر تعول عليهم في تشكيل جبهة “الممانعة”؛ فمن انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، إلى اسقاط نظام مادورو في فنزويلا، وصولاً إلى المتغيرات العميقة التي مست النظام الإيراني، وجدت الجزائر نفسها تفقد أوراق ضغطها التقليدية واحداً تلو الآخر.
وفي ظل هذه الضغوط، يبدو أن قمة “تبون-سانشيز” المرتقبة، سواء عُقدت في مدريد أو الجزائر، لن تكون أكثر من محاولة جزائرية لترميم ما يمكن ترميمه، والبحث عن مخارج آمنة من “الجمود” الذي فرضته على نفسها، ختصة تأتي في “توقيت مفصلي” عقب مستجدات ملف الصحراء في مجلس الأمن، وبدء مفاوضات بين طرفي النزاع بمقر السفارة الأمريكية بمدريد في فبراير الماضي،
وبينما تظل ملفات الهجرة وتأمين إمدادات الغاز أوراقاً تقنية على الطاولة، يبقى الجوهر السياسي متمثلاً في اعتراف جزائري مضمر بفشل سياسة “المواجهة” أمام النجاحات الدبلوماسية المغربية، وبداية رحلة البحث عن التكيف مع واقع إقليمي ودولي لم يعد يترك مكاناً للأطروحات الانفصالية المتجاوزة.