لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (29): “آل الصقلي”؛ الوجه الخفي للنخبة الفاسية

في المغرب، قد تتغير الحكومات وتتبدل مراكز القرار، لكن بعض الأسماء لا تحتاج إلى سلطة ظاهرة كي تستمر.. يكفي أن تكون جزءاً من “الشرعية”.

وفي الحلقة 29 من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة الصقلي، الاسم الذي لا يرتبط بالبورصة ولا بالمقاولات، بل بشيء أقدم، إنه النسب حين يتحول إلى نفوذ.

في فاس، حيث تختلط السلطة بالدين، والتاريخ بالرمز، استقرت هذه العائلة بعد رحلة طويلة من صقلية، حاملة معها إرث الأدارسة، ولقباً سيصير لاحقاً رأسمالاً رمزياً قائماً بذاته.

كتب مؤرخو الأنساب، من ابن أبي زرع إلى جعفر الكتاني، عن فروع إدريسية عادت من الضفة الأخرى للمتوسط، واستقرت في فاس، محافظة على نسبها ومكانتها داخل المدينة.

ومعلوم أنه في المغرب، حين يتحول النسب إلى “شهادة شرعية”، نكون أمام عائلة لا تحتاج إلى إثبات نفسها كل مرة، وداخل هذا السياق، لم تبنِ عائلة الصقلي نفوذها في السوق، بل في “الرمز”.

لقرون، ارتبط اسم “آل الصقلي” بنظارة ضريح المولى إدريس، أحد أكثر الفضاءات قداسة في فاس، حيث لم تكن الوظيفة مجرد إشراف ديني، بل موقعاً يمنح صاحبه سلطة غير مكتوبة.

وفي فترات الاضطراب، كان بعض المعارضين أو الغاضبين من السلطة يلجؤون إلى الضريح طلباً للحماية، وهناك، كانت حدود الدولة تتوقف، وتبدأ سلطة أخرى.

تُروى في كتب التراجم قصة مفادها أن أحد السلاطين اضطر للتفاوض مع ناظر الضريح من “آل الصقلي” لإخراج رجل احتمى بالمقام، بعدما عجزت السلطة عن اقتحامه.

في تلك اللحظة، لم يكن الصقلي مجرد ناظر.. بل وسيطاً يملك حق “الأمان”، وهو امتياز نادر في تاريخ الدولة المغربية.

منذ ذلك الحين، صار الاسم يتحرك بين فضاءين؛ فضاء المخزن وفضاء الزاوية، لكن مع بناء الدولة الحديثة، لم تبقَ العائلة حبيسة هذا الدور.

التحول الأكبر للعائلة جاء مع انتقال العائلة، مع عبد الوهاب بنمنصور (بنمنصور هو فرع داخلي للعائلة)، من “حراسة الرمز” إلى “حراسة الذاكرة”، والذي لم يكن مجرد مؤرخ، بل واحداً من صناع السردية الرسمية للدولة.

في كتابات محمد حجي ومراجع التاريخ المغربي الحديث، يظهر بنمنصور كـ”ذاكرة المخزن”، الرجل الذي رافق الملوك، ووثق البيعة، وأعاد كتابة التاريخ بما يخدم استمرارية الدولة.

تُروى واقعة داخل القصر، حين صحح معلومة تاريخية أمام الملك الحسن الثاني، فكان رد هذا الأخير حاسماً: إذا قال بنمنصور، فأغلقوا الكتب. والأمر هنا لا يتعلق بحادثة طريفة، بل بمؤشر على موقع الرجل وموقع العائلة.

في جيل لاحق، اختارت العائلة مساراً آخر، أكثر حداثة. مع فوزي الصقلي، خرج النفوذ من الزوايا إلى الفضاء الدولي.

وفي تسعينيات القرن الماضي، كانت فاس تعيش تراجعاً ثقافياً، قبل أن يظهر مشروع مهرجان الموسيقى الروحية، الذي لم يكن مجرد تظاهرة فنية، بل إعادة تسويق لهوية كاملة.

اعتمد الصقلي على شبكة علاقات تمتد من النخبة الفاسية إلى الدوائر الدولية، ليحول التصوف من ممارسة محلية إلى خطاب عالمي.

هكذا أصبحت فاس، ولو مؤقتاً، منصة تستقبل مفكرين وسياسيين من مختلف أنحاء العالم، في ما يشبه “دبلوماسية موازية” لا تمر عبر القنوات الرسمية.

العائلة هنا أعادت إنتاج نفسها: من حراسة الضريح إلى تصدير الروح.

وداخل هذا الامتداد، تظهر وجوه أخرى تعكس تنوع المسارات، حيث تمثل نزهة الصقلي حضوراً في الحقل الحقوقي والسياسي، خصوصاً في قضايا المرأة والإصلاحات الاجتماعية.

أما في المجال الثقافي، فتبرز أسماء مثل حكيمة الصقلي، التي تعيد إنتاج التراث الأندلسي والصوفي في صيغة فنية معاصرة.

بين هذه المسارات، يتضح أن العائلة لم تراكم الثروة بقدر ما راكمت “الموقع”.

في كتب مثل “فاس وجامعة القرويين” لعبد الهادي التازي، تُصنف بعض الأسر ضمن “العائلات العالمة”، وهي تلك التي تبني نفوذها عبر العلم والدين والتاريخ، و”آل الصقلي” ينتمون إلى هذا الصنف.

وداخل النخبة الفاسية، حيث تلعب المصاهرة دوراً مركزياً، ترتبط عائلة الصقلي بشبكة من الأسماء الكبرى، ما يضمن استمرارها داخل دوائر التأثير، حتى دون ضجيج.

في المغرب، ليست كل السلطة تُرى، فبعضها يوجد في البنوك، وبعضها في الأحزاب، وبعضها في أماكن أكثر هدوءاً: في ضريح، في أرشيف، أو في مهرجان.

“آل الصقلي” لم يكونوا فاعلين اقتصاديين كباراً، لكنهم ظلوا قريبين من مركز آخر للسلطة: الشرعية.

وفي النهاية، يظل السؤال قائماً: كيف تحافظ عائلة على نفوذها دون أن تملك المال؟ والجواب، ربما، يوجد هنا؛ حيث يتحول النسب إلى سلطة هادئة لا تحتاج إلى إعلان.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x