لماذا وإلى أين ؟

الحرب الأمريكية على إيران بين الرهانات الجيو-اقتصادية والعوامل الجيو-عسكرية

د. محمد شقير

واكب اندلاع الحرب الصاروخية بين التحالف العسكري الأمريكي ضد إيران جدل سياسي تركز حول من جرّ الآخر إلى الحرب، حيث قدّر العديد من المحللين الأمريكيين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الذي جرّ الرئيس الأمريكي إلى الحرب ضد إيران. فقد ترسخت القناعة في الولايات المتحدة بأن دونالد ترامب “قد انقاد وراء حليفه بنيامين نتنياهو”، وخصوصاً بعد التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الاثنين 2 مارس 2026 أمام أعضاء في الكونغرس، ومفادها أن واشنطن “كانت على علم بأن إسرائيل تُحضّر لهجوم على إيران، وأن هذا الوضع كان يُنذر بردود فعل ضد القوات الأمريكية في المنطقة”. وهي التصريحات التي فسّرها العديد من المشرعين والمعلقين بأنها “اعتراف ضمني بأن الولايات المتحدة قد انجرّت إلى التصعيد العسكري وراء إسرائيل”.

بيد أن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت زعمت أن تصريحات ماركو روبيو “أُخرجت من سياقها”، وأن الرئيس “اتخذ قراره بصورة مستقلة”. وصرّح دونالد ترامب من البيت الأبيض: “ربما أكون أنا من أجبر إسرائيل على اتخاذ هذا القرار”، مؤكداً أن الولايات المتحدة تحركت “رداً على تهديد وشيك من إيران”. وعندما سُئل عن الموضوع يوم الثلاثاء 3 مارس 2026 في المكتب البيضاوي برفقة المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أوضح “أن إسرائيل لم تكن هي من دفعت واشنطن إلى التحرك، بل العكس هو الصحيح”، وقال للصحافيين: “بالنظر إلى مسار المفاوضات، ظننت أنهم (إيران) سيبدؤون الهجوم أولاً، ولم أكن أرغب في حدوث ذلك، لذا ربما دفعتُ إسرائيل إلى اتخاذ موقف حاسم. لكن إسرائيل كانت مستعدة، وكنا نحن أيضاً مستعدين”.

من هنا يظهر أن الإعلان الأمريكي-الإسرائيلي للحرب على إيران لم يكن نتيجة “لانجرار شخصي” بين قائدي البلدين كما يحاول بعض المحللين الغربيين تبسيطه، بل هو ثمرة لعوامل جيو-استراتيجية اقتصادية وعسكرية أمريكية، وأهداف سياسية وعسكرية إسرائيلية. ففي منطق شن الحروب، لفهم من أراد الحرب، لا بد أولاً من فهم من احتاج إليها.

1- سياق الإعلان الأمريكي الإسرائيلي للحرب على إيران

من المثير أن إعلان الرئيس ترامب الحرب على إيران والمشاركة في توجيه ضربات عسكرية في العمق الإيراني أدت إلى اغتيال جزء من القيادة العليا السياسية والعسكرية الإيرانية، قد تم بدون اقتناع من طرف أوساط واسعة من الرأي العام الأمريكي بضرورة هذه الحرب، بما فيها القوى المساندة للرئيس ترامب. فأنصار حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، الذين ساهموا مساهمة فاعلة في وصول دونالد ترامب مرتين إلى البيت الأبيض، ظلوا يعارضون قيام الولايات المتحدة بشن حروب خارجية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تداعيات حرب غزة.

كما أن أغلبية الأمريكيين عارضت بشدة مشاركة إدارة دونالد ترامب في الحرب الجارية على إيران. فقد أشارت استطلاعات رأي أجرتها عدة جهات إعلامية، منها “سي إن إن” و“رويترز” و“واشنطن بوست”، إلى أن أغلبية الأمريكيين لا تؤيد الضربات الأمريكية على إيران. حيث عارض ما يقرب من ستة من كل عشرة أمريكيين هذه العملية العسكرية، بينما ورد في استطلاع رأي أجرته مؤسسة “إبسوس” لصالح “رويترز” أن نسبة المؤيدين للحرب لا تتجاوز 27%.

وإذ أشار المؤيدون للحرب، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست”، إلى “الرغبة في وقف البرنامج النووي الإيراني، ومعارضة النظام الحالي، والثقة في قيادة ترامب”، فإن المعارضين لها “أدانوا عدم الحصول على موافقة الكونغرس، واستنكروا التصعيد غير المبرر، أو أعربوا عن معارضة أخلاقية للحرب”.

وقد أثار تدخل دونالد ترامب في الحرب انقساماً حتى داخل حزبه، إذ لم تؤيد العملية في إيران سوى نسبة 76% من الجمهوريين وفقاً لشبكة “سي إن إن”، بينما عارضت نسبة 38% منهم بشدة نشر القوات الأمريكية على الأرض. ورأى 17% ممن شملهم استطلاع صحيفة “واشنطن بوست” أن التدخل الأمريكي في إيران يتيح لترامب “استعراض قوته”، بينما اعتقد 12% أنه تصرف بهذه الطريقة “لتحقيق الاستقرار في المنطقة وإنقاذ الإيرانيين”، وأرجع 8% التدخل إلى رغبة ترامب في “صرف الأنظار عن قضية إبستين وغيرها من القضايا”.

وبينما عبّر 54% من الأمريكيين عن اعتقادهم بأن إيران ستصبح “تهديداً أكبر للولايات المتحدة بعد هذه العملية”، رأى 28% منهم فقط أن القصف “سيقلل من الخطر الذي تشكله إيران”. ووفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”، يشعر ثلاثة أرباع الأمريكيين بالقلق إزاء احتمال نشوب حرب مفتوحة مع إيران، ويقول 40% منهم إنهم “قلقون للغاية”. وتقدّر صحيفة “نيويورك تايمز” أن المعارضة للحرب ستتزايد مع استمرارها، مستشهدة بالتراجع التدريجي لتأييد التدخل العسكري الأمريكي في العراق، إذ إن “معظم الأمريكيين أيدوا التدخل العسكري، لكن تأييدهم انخفض بنحو 30 نقطة مئوية مع تصاعد الصراع”.

ولعل هذا التباين في الآراء والمواقف بين الأمريكيين حيال المشاركة في هذه الحرب يرجع بالأساس إلى تراجع الرئيس ترامب عن وعوده السياسية السابقة. فقد انتُخب دونالد ترامب، من بين أمور أخرى، بناءً على وعد صريح بتجنب انخراط الولايات المتحدة في تدخلات عسكرية خارجية مكلفة وغير ضرورية. ولم يكن شعار “أمريكا أولاً” مجرد شعار، بل كان “تشخيصاً لعقدين من الحروب الخاسرة في أفغانستان والعراق”. من هنا يجد الرئيس نفسه على رأس عملية عسكرية كبرى ضد إيران، دون أي دعم شعبي، ودون أي مصلحة اقتصادية مباشرة واضحة، وبذريعة تهديد “سخيف” في نظر بعض الخبراء العسكريين، هو تهديد صواريخ إيرانية “قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية”.

2- الرهانات الجيو-اقتصادية للحرب الأمريكية ضد إيران

تأتي هذه العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران كجزء من تحول استراتيجي أوسع يتجسد في دمج الأمن الاقتصادي والهيمنة التكنولوجية ومرونة سلاسل التوريد في صميم الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية تحول التفكير الاستراتيجي في واشنطن بشكل حاسم من أولويات حقبة مكافحة الإرهاب إلى التنافس القائم على القدرة الصناعية والسيطرة على البنية التحتية والأنظمة التكنولوجية.

فلم تعد طرق الطاقة وسلاسل إمداد المعادن ومدخلات أشباه الموصلات وشبكات البيانات تُعامل كشؤون تجارية فقط، بل أصبحت تُعد أصولاً للأمن القومي الأمريكي. وفي هذا الإطار، يتقاطع عدم الاستقرار المحيط بإيران مباشرة مع العديد من الركائز الناشئة للاستراتيجية الأمريكية.

فإيران تحتل موقعاً بالغ الحساسية في النظام الاقتصادي العالمي، ولا يزال مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ ينقل نحو خُمس النفط المتداول عالمياً وحصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. وقد فرضت حالة عدم اليقين المستمرة حول هذا الممر المائي – سواء بسبب القدرات الصاروخية أو مخاطر المضايقات البحرية – تكاليف هيكلية على التجارة العالمية.

كما يؤثر تقلب أسعار الطاقة مباشرة على التضخم والقدرة التنافسية للصناعات التحويلية والتخطيط الصناعي في الاقتصادات الحليفة. وفي الوقت نفسه، تضع قاعدة موارد إيران نفسها في قلب المنافسة الناشئة على المعادن الحيوية الضرورية للصناعات المتقدمة وتقنيات الطاقة النظيفة وأنظمة الدفاع.

فوجود رواسب النحاس والزنك والليثيوم، إضافة إلى مركبات العناصر الأرضية النادرة، يجعل من إيران مورداً محتملاً طويل الأجل ضمن سلاسل التوريد الصناعية للجيل القادم. وقد اتجه جزء كبير من هذا الإنتاج نحو الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين، غالباً عبر شبكات للتحايل على العقوبات.

ومن وجهة نظر واشنطن، خلق هذا التقارب تناقضاً استراتيجياً: ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة وشركاؤها إلى بناء أنظمة صناعية مرنة ومستقلة عن المنافسين الجيوسياسيين، وعلى رأسهم الصين، يوجد فاعل إقليمي رئيسي يسيطر على نقاط اختناق في قطاع الطاقة وتدفقات الموارد البديلة التي تفيد التكتلات الاقتصادية المنافسة.

3- العوامل الجيو-عسكرية للحرب الأمريكية ضد إيران

قامت الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران على منعها من امتلاك أي قدرة نووية، حتى في استعمالاتها المدنية. وهذا ما يفسر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 مايو 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، بعدما وصفه بـ“المعيب” و“أحادي الجانب”.

وقد فرضت واشنطن عقب ذلك عقوبات اقتصادية مشددة على طهران ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى”. وفي هذا السياق يمكن فهم الضربات الأمريكية في 22 يونيو 2025، عندما شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية سُمّيت “عملية مطرقة منتصف الليل”، واستهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية: فوردو، ونطنز، وأصفهان.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس ترامب نجاح العملية، فقد قللت طهران من حجم الأضرار، مؤكدة أن منشآتها الحيوية لم تتضرر بشكل جوهري. وأشارت تقارير استخباراتية لاحقة إلى أن الضربات ربما أعاقت البرنامج النووي الإيراني لبضعة أشهر فقط.

وهكذا بقيت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية تراوح مكانها بسبب انعدام الثقة وتضارب المصالح الاستراتيجية وضغوط الأطراف الإقليمية، خاصة إسرائيل. ومع تعثر هذه المفاوضات، قدرت إدارة ترامب أن الفرصة مواتية للضغط على إيران عبر القوة العسكرية.

وعلى العموم، فمهما كانت مدة هذه الحرب والخسائر الناجمة عنها، فإن طبيعة الحرب الأمريكية على إيران ليست مجرد حرب ردع، بل هي في العمق نابعة من استراتيجية أمريكية لاستغلال الظرفية الدولية والإقليمية الحالية قبل اشتداد المنافسة بين القوى العظمى على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية.

فالمنافسة العالمية دخلت مرحلة تتكامل فيها العمليات العسكرية والتخطيط الاقتصادي والبنية التحتية التكنولوجية ضمن سياق استراتيجي واحد، حيث لم يعد التنافس بين القوى العظمى يُحسم بالجيوش والتحالفات فقط، بل أيضاً بمن يضمن مسارات الطاقة وتدفقات المعادن وشبكات البيانات التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x