2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد الفتاح الزين يكشف خلفيات تعديل ورقة التصويت والرفع من سقف مصاريف الانتخابات قبيل استحاقاقات 2026 (حوار)
صادقت الحكومة في اجتماع مجلسها الأخير، الخميس المنصرم، على مشروعي مرسومين يتعلقان بانتخاب أعضاء مجلس النواب، قدمهما وزير الداخلية.
وتهم هذه التغييرات في العملية الانتخابية تحديد شكل ومضمون ورقة التصويت الفريدة، والرفع من سقف المصاريف للمترشحين بمناسبة الحملات برسم الانتخابات العامة والجزئية، من 500.000 درهم إلى 600.000 درهم بالنسبة لكل مترشح أو مترشحة.
وتطرح الإجراءات تساؤلات حول طبيعة تأثيرها على مسار الانتخابات المقبلة، والهدف من مراجعة سقف الإنفاق وتعديل ورقة التصويت في هذا التوقيت. كما يفتح هذا المستجد النقاش حول ما إذا كان لهذه التعديلات علاقة بضبط ما يوصف بظاهرة “شناقة” الانتخابات، ومدى انعكاس هذه التغييرات التقنية على نتائج صناديق الاقتراع.
للوقوف حول دوافع إجراءات الحكومة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية؛ أجرت جريدة ”آشكاين” هذا الحوار مع الباحث السياسي والسوسيولوجي المغربي، عبد الفتاح الزين، هذا نصه:
-كيف تقرؤون سياق هذه التعديلات وما أبعادها؟
عبد الفتاح الزين: لئن كان يعدّ اعتماد مشروعَي المرسومين بشأن انتخاب أعضاء مجلس النواب المغربي، جزءًا من المرحلة التحضيرية للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر 2026. فإنه لا بد من الإشارة إلى أن انتخابات الدورة التاسعة كانت آخر انتخابات تجرى يوم الجمعة، ذلك أن انتخابات الدورة العاشرة انعقدت يوم الخميس ليصبح يوم الأربعاء يوم “رسمي” للانتخابات النيابية منذ الدورة الحادية عشرة. وهو تحول له دلالته الرمزية في جعل الممارسة الانتخابية أكثر تكافؤ فيما يتعلق بالتأثيرات الإيديوثقافية خاصة وأن استغلال الدين لم يعد حكرا على الدولة، كما أن تجربتي الدورتين التاسعة والعاشرة شهدتا صعودا لحزب يعتبره العديد من المحللينأكبر مستفيد من الخطاب الديني. ووفق هذه المعالجات الشكلية للنصوص التنظيمية، جاءت هذه المراجعات لتهم بشكل أساسي رفع سقف الإنفاق الانتخابي من 500.000 إلى 600.000 درهم لكل مرشح، وتعديل شكل ورقة الاقتراع الموحدة (عرض القوائم وترتيبها).
وعلى ضوء هاتين المراجعتين للمرسومين المشار إليهما أعلاه،سنتناول هذين المرسومين بالتحليل، وذلك من منظور سوسيولوجيا التشريع la sociologie juridique، علما أنه غالبًا ما يتم استخدام سوسيولوجيا القانون la sociologie du droit كمرادف لسوسيولوجيا التشريع عند دراسة التفاعلات بين القانون والمجتمع. ومع ذلك، هناك تمييز دقيق بينهما. فسوسيولوجيا القانون تركز بشكل أكبر على المؤسسات والقواعد القانونية، بينما تتبنى سوسيولوجيا التشريع مقاربة أوسع، تشمل جميع الظواهر الاجتماعية التي لها تأثير تشريعي. فالقراءة السوسيولوجية لقانون الانتخابات القائمة على الإطار التحليلي للسوسيولوجيا التشريعية تعتبر أن القانون ليس فقط مجموعة من المعايير، وإنما هو أيضًا أداة لتنظيم علاقات السلطة، وهو نتاج للعلاقات الاجتماعية والسياسية، ووسيلة لإضفاء الشرعية على النظام السياسي.في هذا السياق، يجب تحليل هذه المراسيم، من وجهة نظرنا، من ثلاثة جوانب:
- إصدار القانون: من قرر إصدار هذا القانون؟
- المضمون المعياري:ماهي آثاره الاجتماعية؟
- التلقي الاجتماعي: ماهي الممارسات والآثارالفعلية لهذا القانون؟
- حول مشروع المرسوم المتعلقبسقف المصاريف الانتخابية للمترشحين
– فيما يخص مشروع المرسوم المتعلق بسقف المصاريف الانتخابية، ما هي القراءة السوسيولوجية التي يمكن استنتاجها من رفع هذا السقف؟
– يبدو أن الوظيفة القانونية المعلنة وفق تبرير الحكومة تجعل الزيادة مرتبطة بارتفاع تكاليف الحملات الانتخابية. وهو ما يتطلب ضرورة مواءمة القانون مع الواقع العملي بما يضمن الحفاظ على إطار يحقق الإنصاف. ولهذا، يمكن اعتبار هذا الإجراء بأنه تعديل عملي وواقعي للقانون. غير أن آثاره الاجتماعية وعلاقات السلطة، تشي بأنه جاء لتقوية التفاوتات البنيوية في الحقل الانتخابي؛ ذلك أن رفع سقف الإنفاق قد يؤدي إلى منح المرشحين ذوي الموارد المالية الكبيرة حظا أكبر. وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الدعم للأعيان، والنخب الاقتصادية، كما أنه يُنذر بزيادة الاعتماد على التمويل الخاص أو شبكات المحسوبية والزبونية في وقت كان ينظر فيه إلى أهمية الدعم العمومي فيما يتعلق بفتح أبواب العمل السياسي أمام مختلف الشرائح الاجتماعية. وهو ما يدفع إلى القول بأن هذا التعديل لقانون الانتخابات جاء بهدف إعادة إنتاج التراتبيات الاجتماعية.
وفيما يتعلق بمسألة ترشيد الممارسات غيرالرسمية، إنه في الواقع، غالبًا ما يتم تجاوز الحدود المسموح بها فيالإنفاق الفعلي؛ غير أن الحد الجديد يُضفي طابعًا مؤسسيًا على التضخم القائم فعليا بالرغم من التعليلات التي تشير إلى الممارسات الرقمية الجديدة والاستعمالات الممكنة للذكاء الاصطناعي. فوفق المنطق الدوركهايمي نلاحظ أن هناك محاولة، وإن جاءت شكلية، لشرعنةالانتخاب كواقعة اجتماعية إلاّ أن التناقض في هذه المراجعة قائم بشكل كبير بين السعي نحو الإنصاف فيمقابل الإقرار بالتنافسية. ورغم أن الهدف الرسمي من المراجعة هو تحقيق تكافؤ الفرص، فإن أثرها الفعلي المحتمل هو تقنين مُشَرْعن لمنافسة غير متكافئة.وفي هذا المستوى يمكننا الحديث عن التوتر الكلاسيكي في تحاليل السوسيولوجيا التشريعية بين المعيار الرسمي الذي تم الإعلان عنه في تحقيق المساواة من جهة، والممارسة الاجتماعية المتجلية في عدم تحقيقها.

– ما هي قراءتكم للمشروع المتعلق بتعديل ورقة الاقتراع شكلاً ومضموناً، وما هي رهاناته السوسيوسياسية؟
يبدو في هذا التعديل أن البعد التقني جلي وظاهر؛ حيث انصب على عرض القوائم وتقديمها، كما اهتم بترتيبها في ورقة الاقتراع الموحدة. وفي القراءة الأولية، يمكننا القول بأن المراجعة ظاهريًا إصلاحٌ محايد. غير أنه من خلال الرهانات السوسيوسياسية الضمنية والثاوية فإن لها تأثير معرفي على الناخب فيما يتعلق باختياراته غير المبدئية وعلى الخصوص لدى الفئة الناخبة غير المُسيَّسة؛ إذ من المرجح أن يمكن أن يؤثر ترتيب القوائم على التصويت من خلال تأثير الأسبقية والرجحان في الاختيار بالنظر لعدد المشاركين. وعليه، يمكننا الدفع بأن تصميم ورقة الاقتراع قد يُسهم في تشكُّل الاختيار الانتخابي. وبهذا، يصبح القانون وفق هذه القراءة أداةً لتشكُّل التفضيلات السياسية.
وعلى مستوى تأطير المنافسةالحزبية، يمكن لهذا التعديل على مستوى ورقة الاقتراع أن يُعزِّز توحيد ومَقرُؤية التصويت لدى الناخبين، كما أنه قد يُفيد أيضًا بعض الأحزاب الأكثر تنظيمًا أو بروزًا. وعلى مستوى مضمون هذا التعديل يظهر اهتمام بالحكامة عبر التكنولوجيا من خلال إدراج الجوانب الرقمية واستغلال الذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال الاجتماعي. وهو ما يتعلق بتِقنَوِيَّة السياسية أي ممارسة العمل السياسي بأدوات تقنية، وهو ما يشي أيضا برغبة في التعامل مع الرقمي والتقني في العمل السياسي عموما بل وعملية التصويت على الخصوص وما قد تخلقه من مفاجآت كما عشناه مع ما عُرف مؤخرا بظاهرة “جيل زيد GenZ» وما سبقها خلال أحداث 20 فبراير. وإذا ما استحضرنا الاستدراج لفئة الشباب من خلال تقنين دعم ترشيحهم كمستقلين، يمكننا اعتبار هذا التقنين لهذه الجوانب التقنية هدفه استباقية المفاجأة فيما تعتبره التحاليل السياسية “هندسة الحقل السياسي”.وتعتبر “تقنوية السياسية” إلى جانب الانتخاب ظاهرة مركزية في السوسيولوجيا التشريعيةالمعاصرة، رغم أنها تبدو محايدة ظاهريًا، فإنها تُنتج آثارًا سياسية لأن السلطة تُمارس من خلال آليات تقنية (الاقتراع، القواعد الشكلية، الدعامات التي يتم توظيفها في الاتصال السياسي).
– كيف تنظرون إلى سيرورة اعتماد المرسومين؟
– حسب القوانين التنظيمية لمراجعة القوانين المنظمة للانتخابات، تعتبر عملية المراجعة شرعية شكليا ومحايدة. لكننا إذا اعتمدنا القراءة السوسيولوجية، فإننا سنقف أولا عند مركزية السلطة التنفيذية، ذلك أن المراسيم تُصاغ من طرف وزارة الداخلية، وتعتمد في المجلس الحكومي. وهذايكشف عن مركزية قوية لسلطة تنظيم الانتخابات مع دور مهيمن للإدارة في التنظيم السياسي. ويمكننا أن نسجل أن سهر الإدارة على الإشراف على الانتخابات أدّى إلى انخفاض حدة الصراع وإن ظاهريا إلاّ أنه مع التعديلات الأخيرة لقانون الانتخابات ظهر غياب نقاش عام واسع، خاصة على ضوء تسارع وتيرة المراجعات والانتخابات على مرمى بضعة أشهر. ويمكن تفسير وتيرة هذه السيرورة إما بتوفر إجماع مؤسسيأو بانخفاض منسوب تسييس الإطار الإجرائي. هذا إن لم تكن أسباب تفسير أخرى من قبيل الحديث عن العزوف السياسي وتبعاته التي تتواتر في التحاليل السياسية.
ويبدو في هذا الصدد، أن توقيت الاعتماد قبل ستة أشهر من الانتخابات استراتيجي، ويظهر كمرحلة نهائية من “معايرة” النظام الانتخابي بهدف التكيف مع ديناميات قوة السياسيين الموجودين في الساحة والاستعداد لتأطير الوافدين الجدد على الحقل الانتخابي درءًا لكل مفاجأة قد تمس بهندسة مفترضة وفق ما تذهب إليه بعض المقاربات التي يعتمدها علماء السياسة في هذا الصدد. وعليه، يظهر قانون الانتخابات كأداة للتقويم الاستراتيجي لما قبل الانتخابات بهدف ضبط الآثار المتوقعة على النسق السياسي سواء على مستوى المنافسة الانتخابية تحسبا لارتفاع حدة المنافسة المالية المتوقَّعة، وزيادة احترافية الحملات الانتخابية التي قد تنفلت على المراقبة المعتمدة. أما على مستوى المشاركة، وبالنظر للحظة السياسية التي يعيشها المغرب فيما يتعلق بمشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يمكننا القولبأنه من أهداف هذه المراجعة – وإن كانت شكلية – هو تحسين مقروئية ورقة الاقتراع ووضوحها للرفع من نسبة المشاركة إلا أن التفاوتات المالية قد تقوي تفاقمها، مما يجعل مؤشر انعدام الثقة مرتفعا، وبالتالي مضرا بمصداقية هذه الانتخابات.
وحول شرعية النسق السياسي، فإن هذه الإصلاحات يبدو أنها تسعى إلى تعزيز مصداقية الإجراءات، لكن تأثيرها سيتوقف على درجة تلقي الإنصاف وفهمه من طرف المواطنين وحتى الأطراف المشاركة في التنافس الانتخابي. ولعل الخلاصة النقدية لمقاربة السوسيولوجيا التشريعية تكمن في أن طبيعة المراسيم يمكن النظر إليها كتعديلات تقنية، لكنهاذات دلالات سياسية قوية. أما من حيث الوظيفة الفعلية، فإنها تنظيم لعلاقات السلطة الانتخابية، وأن أثرها الرئيسي يتجلى في إعادة تصميم ظروف المنافسة وتأطيرها قانونيا. غير أن الخطر الأكبر يتمثل فيتقوية التفاوتات السياسية، وهو ما يدفع بأن المنطق العام لهذه المراجعات هو تكييف القانون مع الممارسات القائمة.
وهكذا، يمكننا من منظور سوسيولوجيا التشريع أو السوسيولوجيا التشريعية أن نعتبر هذين المرسومين ليسا مجرد أدوات تقنية وشكلية بل إنهمايترجمان الرغبة في مأسسة التحولات الاجتماعية الجارية (كلفة الحملات، الاحتراف السياسي)، إلى جانب ترسيخ التدبير الإداري للمجال السياسي. وأن هذه المراجعة لم تحقق بما فيه الكفاية الحدّ من التوتر الدائم بين المساواة الشكلية والتفاوتات الحقيقية. وباختصار، يعمل قانون الانتخابات في هذا السياق الذي استعرضته هذه القراءة كأداة تقويم عملية للنسق السياسي المغربي، لكن بآثارٍ مُفارِقة على العدالة الانتخابية وعلى الديمقراطية، خاصة، وأنه تم الإعلان من طرف جلالة الملك على أن “المسار الديموقراطي لا رجعة فيه”.