2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
سليمان قلعي
مقدمة: سياق الملف ومساره
تم استئناف الحوار القطاعي بتاريخ 03 ماي 2024 تحت اشراف مدير المالية المحلية بالمديرية العامة للجماعات الترابية على أرضية محورين أساسيين:
– الأول وهو الملفات والوضعيات الإدارية العالقة (ملف حاملي الشهادات والديبلومات غير المدمجين في السلالم المناسبة. وملف خريجي مراكز التكوين الإداري …
– والثاني وهو مشروع النظام الأساسي لتحسين الوضعية الاجتماعية والمهنية بالقطاع والجواب على المشاكل التي يتخبط فيها القطاع، هذه الجولة التي انتهت بتعاطي إيجابي:
– “كل النقط في المحور الأول سندرسها من خلال الشق القانوني هل يسمح ام لا ومن خلال الجانب المالي ومن الجانب التقني وسنحاول التوصل الى حلول”
– في المحور الثاني قيل لنا سنعمل على الاستفادة من كل التشريعات في القطاعات الأخرى لنحترم مبدأ المساواة والمماثلة وسنأخذ بمقترحات النقابات المقدمة، جلسة ساهمت في زرع روح إيجابية و إرادة للتعاون في إيجاد الحلول (انظر بيان التنسيق النقابي الرباعي) لكن الواقع والمسار اثبتا عكس ذلك، ووصل في الأخير الى مقولة لا حلول للملفات العالقة نهائيا بدون تقديم أي تبرير قانوني لهذا الرد السلبي ودون تقديم أي تبرير على التراجع عن الالتزامات السابقة في هذا الصدد، وفي المحور الثاني الوصول الى نتيجة عدم الاخذ بمقترحات النقابية حتى المحينة في 11 نونبر 2024 والقول ب”هذا ما كاين ياتوقعوا يا ندفعوه للمسار التشريعي بوحدنا – المقصود النظام الأساسي مسودة 04 فبراير2025-“
وكان موقف الجامعة انها ترفض ان تكون شاهدة زور وأن يتحمل المسؤولية من لا يريد الانصات لممثلي الشغيلة، وقد اثبت التاريخ صدق وصحة موقف نقابة الاتحاد المغربي للشغل في هذا الصدد
ملف النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية يعد من أكثر الملفات حضوراً وتشعباً في المشهد النقابي والإداري المغربي، إذ يمسّ مباشرةً شريحة واسعة من الموظفين الذين يضطلعون بتسيير الشأن المحلي وتدبير الخدمات العمومية الترابية في مختلف أرجاء البلاد.ونظرا للأوضاع المزرية التي تعيشها هذه الشريحة الاجتماعية ونظرا أيضا لوجود فئات عاملة بالقطاع تتطلب تأطير قانوني ولعملها ووضعها الهش وسبل ادماجها في وضع يزيل الحيف عنها كالعرضيين وفئات أخرى.
وقد شهد هذا الملف خلال السنوات الأخيرة جولات متعددة ومتقطعة من الحوار القطاعي (تأجيلات عديدة بدون مبرر ولمدة طويلة، تجاوز السقف المحدد …)، جمعت بين النقابات الممثلة للشغيلة الجماعية (برغم غياب احترام مبدأ النقابات الأكثر تمثيلية بالقطاع على غرار ما هو معمول به في الحوار المركزي وفي قطاعات أخرى) من جهة، والإدارة ممثلةً في المديرية العامة للجماعات الترابية وزارة الداخلية من جهة أخرى.
وقد انخرطت النقابات في هذه الجلسات بروح إيجابية ومسؤولة، حاملةً معها رؤية شاملة تستند إلى تشخيص دقيق للاختلالات التي يعانيها القطاع، وإلى استشراف واضح لمتطلبات التحديث التي تفرضها التحولات العميقة بالقطاع وتعزيز اللامركزية في المغرب. وقد تضمنت المقترحات النقابية جملةً من الإجراءات الجوهرية، سواء على مستوى تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية للموظفين، أو على مستوى إعادة هيكلة منظومة تدبير الموارد البشرية وتحديثها أو على مستوى اجاد حلول لأنماط التشغيل بالقطاع كالعرضيين والانعاش الوطني
غير أن مسار الحوار لم يسلك المنحى المأمول؛ إذ اصطدمت النقابات بعدم احترام الالتزام بالأجندة المحددة وبما طبع جلسة استئناف الحوار خلال 03 ماي 2024 من أفكار إيجابية وعدم تفاعل مع مجموعة من المقترحات الجوهرية والاساسية خصوصا المتضمنة في رسالة 11 نونبر 2024، ولم تُفضِ جلسات التفاوض إلى نتائج ترقى إلى مستوى الطموح. وانتهى الأمر بتوقيع بعض النقابات على اتفاق وصفه كثير من المتتبعين والمهتمين بالشأن النقابي بأنه اتفاق فارغ، يفتقر إلى رؤية احداث النقلة النوعية اللازمة في الاقطاع وجعلها قطاع جذب للكفاءات، ولا يستجيب للانتظارات الحقيقية لموظفي الجماعات الترابية.
صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات: حدث بارز يُعيد رسم خارطة النقاش
في خضم هذا الجمود الذي كان يسم مسار المشروع، جاء التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024 .2025 محور التنمية المجالية وتدبير المرافق العمومية الترابية الصفحة 397 وما بعد من التقرير وخصوصا ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابي، ليُشكّل منعطفاً فارقاً في مسار هذا الملف، ويُعيد تأطير النقاش في ضوء معطيات موضوعية ومرجعية مؤسساتية جديد، فقد أصدر المجلس، الذي يُعدّ الهيئة العليا للرقابة المالية والمحاسباتية في المغرب، توصيات دقيقة وصريحة تتعلق بمنظومة تدبير الموارد البشرية على الصعيد الترابي، مؤكداً على جملة من المقترحات والاجراءات التي باتت ضرورة لا تقبل التأجيل.
والأهم من ذلك أن مضامين هذه التوصيات جاءت لتتقاطع بشكل لافت مع كثير من المقترحات التي سبق للنقابات أن رفعتها خلال جلسات الحوار القطاعي، مما يُسقط كل مبررات رفض مطالب النقابات ويُضفي عليها شرعية مؤسساتية رفيعة، ويُثبت أنها كانت تنطلق من تشخيص موضوعي وعلمي، من ورؤية رزينة وهادفة لا من منطق مطالب مبنية على اهواء او مزاجية وان الوقفات والمحطات الاحتجاجية كانت ترتكز على هذه المطالب التي اثبت صدقيتها ونسفت كل الاتهامات الموجهة للنقابات الصادقة (هواة الاحتجاج الصبيانية، المغامرون …).
أبرز توصيات المجلس الأعلى للحسابات وتقاطعها مع المطالب النقابية
أولاً: تعزيز جاذبية الوظيفة العمومية الترابية وجعلها أكثر تنافسية مقارنة بالقطاع الخاص، لا سيما في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية وذلك من خلال تطوير اليات تحفيزية لاستقطاب الكفاءات، وتوفير الشروط المهنية الكفيلة بضمان استقرارها …
تعتبر هذه التوصية من أبرز التوصيات التي جاء بها المجلس الأعلى للحسابات وذلك بناء على معطيات الواقع وانطلاقا من مكانة القطاع ضمن باقي القطاعات العمومية الأخرى والمتميزة بما يلي:
· أخر قطاع يتم اللجوء اليه للهروب من البطالة بعد تجريب إمكانية ولوج باقي القطاعات
· القطاع الوحيد الذي، يغادره العاملين به اتجاه قطاعات أخرى للتوظيف او عن طريق الالحاق أو الوضع رهن الإشارة (نجد الموظفين بالجماعات الترابية يشتغلون بقطاع المالية أو بقطاع العدل حوالي 600 موظف موضوع رهن الإشارة أو بقطاع التعليم …)
· نسبة التأطير بالقطاع، حيث انه إذا كانت نسبة الاطر (فئة الأطر (السلم 10 فما فوق) تمثل ما نسبته 67 %من الموظفين المدنيين بمصالح الدولة، فإن هذه النسبة لا تتجاوز 33 % داخل الجماعات الترابية، التي تُسجل، في المقابل، حضورا مرتفعًا لفئة أعوان التنفيذ (السلمان 6 و7 يشكلان 47%) وفي التوزيع بين المجالس الجهوية ومجالس العمالات والاقاليم والجماعات فنسبة المساعدين الإداريين والتقنيين تشكل 49%
· معدل الأجور حيث ارتفعت نفقات الأجور المخصصة لموظفي الدولة من 121.19مليار درهم سنة 2018 إلى 155.79مليار درهم سنة 2023، بمعدل نمو سنوي بلغ 4.8% أما على مستوى الجماعات الترابية، فقد شهدت كتلة الأجور ارتفاعا محدودًا، منتقلة من 11.75 إلى 11.85 مليار درهم خلال الفترة نفسها، بمعدل نمو سنوي ال يتجاوز 0.14%
بمعنى ان سرعة تطور النفقات المخصصة للموظفين بقطاع الجماعات هي سرعة السلحفاة
· غياب التحفيز عن المردودية كما هو الحال في بعض القطاعات، وهزالة بعض التعويضات كالتعويض عن الصندوق الذي يستفيد منه شسيعي المداخيل فقط (شسيع في كل جماعة) ويحتسب هذا التعويض بنسبة 1‰ عن مجموع المداخيل الذاتية المحصلة بشرط لا يتجاوز 600 درهم سنويا، وللتدقيق أكثر الجماعة التي بلغت مداخيلها المحصلة من طرف الشسيع 60 مليون سنتيم فما فوق هو من يحصل على هذا التعويض، وهناك التعويض عن انجاز ساعات إضافية، وهو العمل الذي يقوم به خصوصا العاملون بالأسواق العمومية (التحصيل والتنظيم) الأسواق التي تلتئم يومي السبت والأحد، أو سياقة سيارات الإسعاف أو انجاز مهام خارج أوقات العمل، قيمة هذا التعويض تعتبر إهانة للقطاع وكل العاملين به،04 دراهم للساعة في حدود لا تتعدى سقف 40 ساعة في الشهر، في الوقت الذي حمل تعديل النظام الأساسي لهيئة كتاب الضبط 2024 قيمة الساعات الإضافية ما بين 50 و128 درهم حسب الدرجة، غياب أي مكافأة عن المردودية كما تم بقطاع العدل حيث نصت المادة 37مكرر من النظام الأساسي لهيئة كتاب الضبط على الاستفادة من مكافأة عن المردودية لا تتعدى 200% من راتب شهر دجنبر، بما لا يتعدى اجرة شهرين يعني ال13 و 14
بمثل هذا وامثلة أخرى بقطاع المالية وقطاعات اخرى يمكن خلق جاذبية للقطاع، وهي مقترحات قدمناه في كل جلسات الحوار دون ان يتم الانصات لها، برغم ما تم تسجيله من ارتفاع مداخيل الجماعات الترابية حيث أفادت الخزينة العامة للمملكة بأن المداخيل الجبائية للجماعات الترابية بلغت 1.768 مليار درهم عند متم يناير 2025، أي ارتفاع بنسبة 13 في المائة مقارنة بمستواها المسجل متم يناير سنة 2024. هذا الارتفاع والذي تضاعف بعد تطبيق القانون رقم 14.15 المتمم والمغير للقانون رقم 47.06 الخاص بجبايات الجماعات الترابية وكدا تعيين القباض الجماعيين حيث عرفت مداخيل الضريبة على الاراضي الغير مبنية T.N.B ارتفاعا قياسيا خلال الربع السنوي الاول من سنة 2026 نظرا لمراجعة القرارات الجبائية حسب الرسوم الجديدة، ويعود هذا التطور في المداخيل كنموذج الى مجهود موظفين جماعيين في غياب ادنى مستويات التشجيع او المكافئة
· الحركة الانتقالية بالقطاع حيث سجل المجلس في تقريره ” اما على مستوى الجماعات الترابية، فتواجه الحركية (الانتقالية) صعوبات إضافية ذات طابع تنظيمي وإجرائي، إذ يخضع نقل المنصب المالي من جماعة إلى أخرى لمساطر مطولة، تتطلب موافقة كل من رئيسي الجماعتين المعنيتين وتأشير سلطة المراقبة الإدارية. وغالبًا ما تُرفض هذه الطلبات من طرف الجماعة الأصلية بسبب عدم رغبتها في فقدان المنصب المالي، مما يحول دون تفعيل الحركية كآلية لتبادل الخبرات وتغطية الخصاص
· العمل بقطاع الجماعات الترابية يعني العمل في غالب الأحيان في مناطق نائية وبعيدة عن مركز الاقليم (1282 جماعات قروية حسب التسمية السابقة) مما يتطلب تحفيز للعمل في هذه المناطق.
· استمرار أصناف من التشغيل بالقطاع رغم وجود فراغا قانونيا وهيكليا كتشغيل العرضيين الذي ارتفعت وتيرته في الآونة الأخيرة، في هذا الإطار سجل المجلس الأعلى للحسابات: استمرار الجماعات في اعتماد شبكات مرجعية غير موحدة، وتحديد الأجور بناءً على مصادر متباينة، دون معايير تصنيف واضحة أو تعاقدية، مما يُنتج تفاوتات في الوضعيات المهنية، ويجعل التشغيل أحيانًا خاضعًا لاعتبارات ظرفية بدل الكفاءة
لهذه الأسباب وأخرى، تجعل القطاع اقل جاذبية واقل تنافسية لجلب الكفاءات والطاقات المتميزة
ثانيا: تبسيط إجراءات الانتقال والحركية الإدارية
من أبرز التوصيات التي أصدرها المجلس الأعلى للحسابات، الدعوة الصريحة إلى تبسيط إجراءات انتقال الموظفين بين الجماعات الترابية المختلفة. وهذه التوصية تنسجم تماماً مع مطلب طالما رفعته النقابات وأصرّت عليه في مختلف جولات الحوار، إذ يعكس الواقع الميداني اختلالاً صارخاً في توزيع الموارد البشرية بين الجماعات؛ فهناك جماعات تعاني خصاصاً حاداً في الكفاءات البشرية والأطر الإدارية، مقابل جماعات أخرى تسجّل فائضاً واضحاً في بعض التخصصات والمهن.
هذا الاختلال لا يُؤثر فقط على أداء الجماعات المتضررة، بل يُفضي إلى هدر حقيقي للموارد العمومية وتراجع ملموس في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ولمعالجة هذه الظاهرة، يقتضي الأمر إرساء آليات أكثر مرونة وفعالية للحركية الإدارية، تُسهم في إعادة التوازن وتكفل الاستغلال الأمثل للكفاءات المتاحة في منظومة الجماعات الترابية بأسرها. ولهذا الغرض، يستوجب الأمر تبسيط المساطر الإدارية المتعلقة بالتنقل، وإزالة العراقيل البيروقراطية التي تعرقل حركية الموظفين بين الجماعات.
ثالثا: إعداد دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات
أوصى المجلس الأعلى للحسابات كذلك بضرورة إعداد دلائل مرجعية شاملة ومحيّنة للوظائف والكفاءات على مستوى الجماعات الترابية. ويُمثّل هذا الإجراء ركيزةً جوهريةً من ركائز التدبير الحديث والفعّال للموارد البشرية، إذ يُتيح تحديد المهام والمسؤوليات بدقة، ويُحدد المؤهلات والكفاءات المطلوبة لكل وظيفة، ويُوفر أساساً موضوعياً لتقييم الأداء والترقية والتأهيل المهني.
وما يُعزّز أهمية هذه التوصية أنها تتجاوز منطق التدبير التقليدي للموارد البشرية القائم في الغالب على معيار الأقدمية وحده، لتنتقل نحو نموذج أكثر حداثةً وجدارةً، يربط المسار المهني للموظف بكفاءاته الفعلية وإنجازاته الملموسة. وهذا ما سبق أن طالبت به النقابات في إطار رؤيتها الإصلاحية الهادفة إلى إرساء منظومة تقييم وترقية قائمة على الاستحقاق والكفاءة لا على الوجاهة والعلاقات.
رابعا: الإسراع بإعداد مشروع النظام الأساسي وإحالته على المسار التشريعي
لعلّ أبرز توصية أصدرها المجلس الأعلى للحسابات في هذا الإطار، هي الدعوة الصريحة إلى ضرورة الإسراع بإعداد مشروع القانون المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي الجماعات الترابية، وإحالته على المسطرة التشريعية قصد المصادقة عليه في أقرب وقت ممكن. وتكتسب هذه التوصية أهميةً استثنائية، نظراً لأن النص القانوني القائم لم يعد يتلاءم مع التحولات العميقة التي عرفتها المنظومة الترابية في المغرب، لا سيما في أعقاب صدور القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الذي وسّع صلاحياتها ومسؤولياتها.
ولا يقتصر الأمر على مجرد ملاءمة النص مع المستجدات القانونية، بل يشمل أيضاً الحاجة الملحّة إلى توحيد الوضعيات الإدارية لمختلف فئات موظفي القطاع، وإعادة هيكلة سلالم الأجور والتعويضات بما يضمن العدالة الداخلية، وتنظيم مسارات الترقية المهنية وتغيير الافاق المهنية، فضلاً عن تأطير وضعية الفئات غير النظامية التي تشتغل لدى الجماعات، كالأعوان العرضيين الذين يعانون من هشاشة في الوضع القانوني وانعدام الحماية الكافية.
دلالات التقاطع بين توصيات المجلس والمطالب النقابية
إن التطابق الواضح بين توصيات المجلس الأعلى للحسابات والمقترحات التي سبق أن تقدمت بها النقابات يحمل دلالات عميقة ينبغي التوقف عندها بعناية. فهو يُثبت أولاً أن التشخيص الذي انطلقت منه النقابات في صياغة مطالبها كان دقيقاً وموضوعياً، إذ توصّل الجهاز الرقابي الأعلى في الدولة إلى الإقرار بالاختلالات ذاتها والتوصية بالحلول ذاتها أو ما يماثلها جوهراً.
كما يُبيّن هذا التقاطع أن المطالب النقابية لم تكن مجرد ضغط ظرفي أو مزايدة على المسؤولين، بل كانت تعبيراً عن رؤية مؤسساتية راسخة لمتطلبات إصلاح هذا القطاع الحيوي. وبالتالي، فإن الإدارة التي تحفظت على هذه المقترحات في مراحل سابقة باتت الآن أمام ضرورة مراجعة موقفها في ضوء التوصيات الصادرة عن هيئة دستورية مستقلة ذات ثقل مؤسساتي وقانوني بارز.
ويمكن القول إن هذه التوصيات قد حوّلت ما كان يُوصف زوراً بأنه مطالب فئوية ضيقة، إلى أجندة إصلاحية وطنية تستوجب التفاعل الإيجابي من لدن جميع الفاعلين المعنيين، في مقدمتهم وزارة الداخلية والمديرية العامة للجماعات الترابية والبرلمان بغرفتيه.
ضرورة استثمار هذه التوصيات لإعادة إطلاق ورش النظام الأساسي
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة الراهنة فرصةً سانحةً لا ينبغي إضاعتها من أجل إعادة إطلاق الورش الحقيقي للنظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية. وتقتضي هذه المرحلة من الجهات الوصية الانخراط الجدي والمسؤول في مسار تشاركي شفاف، يضع توصيات المجلس الأعلى للحسابات كمرجعية جوهرية ويُشرك النقابات كشريك أساسي وحقيقي في بناء التغيير
كما تستوجب إعادة النظر في منهجية الحوار القطاعي، بما يضمن الانتقال من نقاشات شكلية تنتهي باتفاقيات هشة إلى حوار جوهري ذي جدول أعمال واضح ونتائج ملزمة وآجال محددة. ويقتضي ذلك على وجه الخصوص تحديد آليات تتبع تنفيذ الاتفاقيات ورصد مدى احترام الالتزامات المتبادلة.
ولا شك أن إصلاح النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية ليس مجرد استجابة لمطالب نقابية أو امتثالاً لتوصيات رقابية، بل هو شرط موضوعي لنجاح مسار الجهوية المتقدمة واللامركزية الذي يسعى المغرب إلى تعزيزه وتطويره. فلا يمكن للجماعات الترابية أن تضطلع بأدوارها التنموية الجديدة وتُحسن تقديم خدماتها للمواطنين دون توفير الإطار القانوني الملائم لتدبير مواردها البشرية وتأهيل كفاءاتها الإدارية.
إصلاح النظام الأساسي رافعة أساسية للتنمية الترابية
ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن اخراج النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية الذي طال انتظاره لا ينبغي أن يُقرأ في إطار ضيق يختزله في مجرد تحسين أوضاع فئة مهنية بعينها، وإن كان ذلك مطلباً مشروعاً وإنسانياً في حد ذاته. بل ينبغي قراءته في أفق أرحب يربطه بمشروع تنموي متكامل يستهدف تعزيز فاعلية الجماعات الترابية وتحسين قدرتها التدبيرية، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في المناطق الحضرية والقروية على حدٍّ سواء.
ذلك أن الموظف الكفء المتحفز الذي يشتغل في إطار نظام أساسي عادل ومحفّز ومتجاوب مع طموحاته المهنية، هو وحده القادر على الإسهام الفعّال في خدمة مواطنيه ودفع عجلة التنمية الترابية إلى الأمام. وبهذا المعنى، يصبح إصلاح منظومة تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية مسألةً مجتمعيةً بامتياز، تتخطى حدود الانشغال الفئوي لتنتظم في صلب أجندة التحول الشامل للإدارة المحلية وترسيخ الحكامة الجيدة.
مارس 2026 سليمان قلعي …. يتبع
وفي هذا السياق، فإن النقابات مدعوة بدورها إلى مراجعة موقفها ومواصلة ضغطها المشروع والمسؤول، مستندةً إلى حجج موضوعية ورؤية واضحة، محوّلةً توصيات المجلس الأعلى للحسابات إلى رافعة لتجديد زخم الحوار وانتزاع مطالب الشغيلة الجماعية بكل فئاتها، وإخراج قانون أساسي يحترم مبدأ المساواة والمماثلة ويجيب على كل المشاكل بالقطاع ويزيل الحيف عن كل الفئات العاملة به ويليق بموظفي الجماعات الترابية وبمستوى طموحهم ويرفع الحيف الذي طالهم لسنوات
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.