2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
حرب إسرائيل على إيران بين الدوافع السياسية والأهداف الاستراتيجية
محمد شقير
على الرغم من الجدل السياسي الذي واكب اندلاع الحرب الصاروخية بين التحالف العسكري الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران، والذي تركز حول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي جرّ الرئيس الأمريكي إلى الحرب ضد إيران، أو ما صرّح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “ربما أكون أنا قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار”، إلا أنه يبدو أن إسرائيل كانت لها أهداف استراتيجية قوية لشن حرب ضد إيران، بعيد انتصارها العسكري في حرب غزة ضد حماس.
1- الدوافع السياسية للحرب الإسرائيلية ضد إيران
شكّلت إيران، في العقيدة الإسرائيلية، العدو الاستراتيجي الوجودي الذي ينبغي القضاء عليه بشكل أساسي أو نهائي. فعقب الثورة الإيرانية وسقوط نظام بهلوي سنة 1979، اتخذت إيران موقفًا متشددًا ضد إسرائيل، حيث قطعت جميع العلاقات الرسمية مع دولة إسرائيل. كما توقفت عن قبول جوازات السفر الإسرائيلية، ومنع حاملو جوازات السفر الإيرانية من السفر إلى فلسطين المحتلة، في حين أُغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران وسُلّمت إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وقد وصف آية الله الخميني إسرائيل بأنها “عدو للإسلام” و”الشيطان الصغير”، بينما وُصفت الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”. ووفق هذا المنطلق السياسي، قدّمت إيران الدعم للأحزاب الإسلامية الشيعية اللبنانية، وساعدت في توحيدها في منظمة سياسية وعسكرية واحدة تمثلت في حزب الله، حيث زوّدته بالتلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري والمعدات اللازمة لمهاجمة أهداف إسرائيلية وأمريكية. كما قدّمت إيران لحزب الله كميات كبيرة من التدريب والأسلحة والمتفجرات، إضافة إلى الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي والتنظيمي، في الوقت الذي حثّت فيه حزب الله على اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إسرائيل. وقد ذكر بيان حزب الله لعام 1985، ضمن أهدافه الأربعة الرئيسية، “انسحاب إسرائيل النهائي من لبنان تمهيدًا لإبادتها النهائية”. وبحلول أوائل التسعينيات من القرن الماضي، برز حزب الله، بدعم من سوريا وإيران، كقوة عسكرية رائدة، محتكرًا قيادة العمليات المسلحة في جنوب لبنان.
لذا فإن مشاركة إسرائيل في توجيه ضرباتها الصاروخية ضد القيادة الإيرانية إلى جانب القوات العسكرية الأمريكية لم تثنِ إسرائيل عن جرّ حزب الله إلى هذه الحرب، حيث ركّزت على ضرب مواقع الحزب في لبنان، مستغلة رغبة القيادة اللبنانية في نزع سلاحه في إطار احتكار الدولة اللبنانية للعنف المشروع والتحكم في المؤسسة العسكرية. فمنذ إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 مارس 2026، ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني في ضربات إسرائيلية أمريكية، واصلت إسرائيل شن غارات على أنحاء لبنان، تسببت في مقتل أكثر من ألف شخص وتهجير أكثر من مليون نازح، بعدما كثّف الجيش الإسرائيلي غاراته على الضاحية الجنوبية لبيروت. كما جدّد الجيش الإسرائيلي إنذاره لسكان أحياء واسعة في الضاحية الجنوبية بإخلائها، ليواصل “مهاجمة البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في مختلف أنحاء الضاحية وبقوة متزايدة”.
بينما شنّ الطيران الإسرائيلي عدة غارات على الضاحية الجنوبية، استهدفت مناطق: بئر العبد، الرويس – أطراف المنشية، حارة حريك، أوتوستراد السيد هادي نصرالله، سان تيريز، برج البراجنة، والكفاءات، مما يظهر رغبة إسرائيل في استغلال هذه الحرب للقضاء على حزب الله، بعد أن تم القضاء على قوة حماس، وشلّ تحركات الميليشيات التابعة للحزب التي كانت تنشط في سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد.
فقد شنت إسرائيل تحركات عسكرية برية وجوية مكثفة في سوريا فور سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تمثلت في احتلال المنطقة العازلة بالجولان من خلال السيطرة على نقاط مراقبة استراتيجية في جبل الشيخ وجنوب سوريا، وتدمير الأسلحة الاستراتيجية (الصاروخية والجوية والبحرية) لمنع وصولها إلى المعارضة أو إيران، من خلال تنفيذ مئات الغارات التي استهدفت مستودعات صواريخ بعيدة المدى، وبطاريات دفاع جوي، ومراكز بحوث علمية، وإنشاء منطقة أمنية عازلة من خلال احتلال أجزاء واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح التي كانت تراقبها الأمم المتحدة (UNDOF) بطول 75 كم، معلنة انهيار اتفاقية فصل القوات لعام 1974.
من هنا يظهر أن الأهداف الاستراتيجية لتحركات إسرائيل تمثلت في منع وقوع الأسلحة الاستراتيجية والكيميائية السورية في أيدي فصائل المعارضة أو جهات “متطرفة”، وقطع النفوذ الإيراني من خلال القضاء على أي بقايا للوجود الإيراني ومحور “حزب الله” في سوريا. وعلى نفس المنوال، تعمد إسرائيل إلى استغلال هذه الحرب لإعادة السيناريو العسكري السوري نفسه في جنوب لبنان، لتحييد أي تهديد إيراني في المستقبل.
فبعد دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران، شنت إسرائيل “عملية برية محدودة ومحددة الأهداف” ضد الحزب، وقد توغلت عدة فرق من الجنود الإسرائيليين منذ ذلك الحين في جنوب لبنان، والهدف المرجّح هو إنشاء منطقة عازلة لمنع حزب الله من تهديد شمال إسرائيل من جنوب لبنان.
2- الدوافع الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية ضد إيران
تتمحور دوافع إسرائيل في مشاركتها في هذه الحرب إلى جانب القوات الأمريكية حول عدة أهداف استراتيجية، من أبرزها:
أولها: تدمير مقومات النظام الإيراني الداخلية على المستويات الأمنية والحكومية وحتى الاقتصادية. وقد ظهر ذلك في استهداف وتدمير مراكز الشرطة، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، ومخازن النفط في طهران، إلى جانب تنفيذ هجمات سيبرانية على المؤسسات الحكومية والمالية للنظام. وتهدف إسرائيل من خلال ذلك إلى إضعاف النظام داخليًا وتقليص قدرته على مواجهة حالات “التمرد” أو الاحتجاج الداخلي، وكسر هيبته في الداخل، بحيث يبقى في حالة هشاشة وتصدع داخليين، فضلًا عن تعميق الأزمة الاقتصادية تمهيدًا لإضعافه وربما إسقاطه من الداخل.
وقد خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات الأمريكية والإسرائيلية العسكرية على المدن الإيرانية، خاصة العاصمة طهران، للخروج ضد النظام، وهو طلب كرره عدة مرات خلال أيام الحرب. وبالتالي، فقد كان الرهان الإسرائيلي يقوم على عودة الاحتجاجات الشعبية في إيران بعد العملية العسكرية الأولى التي استهدفت اغتيال المرشد العام خامنئي، وأن تتصاعد هذه الاحتجاجات إلى حد إسقاط النظام.
فإنهاء التهديد الإيراني، في المنظور الإسرائيلي، لا يتحقق عبر اتفاق مع النظام الإيراني، حتى لو كان يستجيب لمخاوف إسرائيل، بل من خلال تغيير النظام نفسه أو إسقاطه.
ثانيها: تدمير القوة العسكرية الاستراتيجية الإيرانية، وتحديدًا البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي؛ فهذه القوة تمثل مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة ومصدر التهديد الاستراتيجي لإسرائيل. لذلك فإن تدمير هذه القدرات، بما في ذلك مراكز التصنيع والإنتاج المرتبطة بها، من شأنه أن يضعف إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة.
ثالثها: الاعتبارات الشخصية والانتخابية لرئيس الوزراء نتنياهو. فإلى جانب الحسابات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهانًا سياسيًا وانتخابيًا مهمًا بالنسبة له في سنة انتخابات بامتياز، خصوصًا إذا أسفرت نتائج هذه الحرب عن إضعاف كبير لقدرات النظام الإيراني. وبالتالي ينظر نتنياهو إلى هذه الحرب الثانية على إيران بوصفها حلقة حاسمة في مسعاه لتعزيز موقعه في الانتخابات المقررة في أكتوبر 2026.
كما يسعى نتنياهو، من خلال هذه الحرب وتحقيق الانتصار فيها، إلى تجاوز إخفاق 7 أكتوبر 2023، فهو يرى أن الحرب على إيران، وإضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه لاحقًا، قد تشكل لحظة تاريخية في مسيرته السياسية يمكن أن تطغى على الفشل الكبير المرتبط بأحداث 7 أكتوبر 2023، من خلال محاولة محو آثارها الداخلية والإقليمية والعالمية، رغم ما خلفته من دمار وإبادة جماعية.
فعلى الصعيد الداخلي، قد تصب الحرب وإطالة أمدها مع إيران في مصلحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إذ توحد إسرائيل صفوفها في أوقات الحرب، لا سيما عندما يكون العدو هو إيران، وهو أحد أسباب ندرة الانتقادات من أشد خصومه السياسيين.
وعمومًا، فإذا كانت هذه الحرب على إيران، من الوجهة الأمريكية، ليست للردع فقط، بل استراتيجية لتدمير جميع مرافق البحث والإنتاج التابعة للبرنامج النووي الإيراني، ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، فإن مقاربة إسرائيل ترمي إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وبالتحديد تدمير الصواريخ بعيدة المدى والباليستية، فضلًا عن أنظمة إطلاقها، ومنع الهجمات المباشرة على الأراضي الإسرائيلية قدر الإمكان، خاصة من جنوب لبنان.
إضافة إلى ذلك، تهدف إسرائيل إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني وتعطيل قيادته. فتغيير النظام ليس الهدف الأساسي، رغم أن نتنياهو يرغب فيه بشدة، حيث أعرب في خطاب له عن أمله في أن إضعاف النظام في طهران عسكريًا وبشريًا سيمنح الشعب الإيراني فرصة إسقاطه، مضيفًا أن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها، “لكن إذا ثابرنا فسنمنحهم الفرصة لتولي زمام مصيرهم بأنفسهم”.
ولعل هذا التباين في أهداف محاربي إيران، وقدرة النظام الإيراني على الصمود، واستمرار قصف صواريخه للعمق الإسرائيلي ودول الخليج، سيرخي بظلاله على التحالف الأمريكي الإسرائيلي في مواصلة هذه الحرب، بعدما ظهر منذ بدايتها تعارض بين أهداف الجانبين.
فعند إطلاق الحملة الجوية المشتركة صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، أكد كل من ترامب ونتنياهو أن هدفهما هو إسقاط النظام الإيراني، لكن بعد يومين، وفي خطاب في البيت الأبيض، بدا أن الرئيس الأمريكي لم يعد يولي هذا الهدف الأولوية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تسعى أساسًا إلى تدمير الصواريخ والبحرية الإيرانية ومنعها من امتلاك سلاح نووي.
وفي اليوم نفسه، صرّح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن العملية ليست “حربًا لتغيير النظام”، في حين واصل نتنياهو دعوته الإيرانيين للنزول إلى الشوارع، مؤكدًا أن إسرائيل تعمل على تهيئة الظروف لذلك.
وبالتالي، فإن هذا التباين قد يتطور في ظل تعقيدات الصراع، خاصة مع تداعياته على مضيق هرمز وأسواق الطاقة، وما يفرضه من خيارات صعبة أمام الإدارة الأمريكية، بين التصعيد العسكري أو التوجه نحو التفاوض.
وفي حال اعتماد الخيار التفاوضي، قد تنسحب الولايات المتحدة تدريجيًا من الحرب، ما يضع إسرائيل أمام خيارين: إما الانخراط في اتفاق مع إيران، أو مواصلة المواجهة منفردة، خصوصًا عبر الاستمرار في عملياتها ضد حزب الله في جنوب لبنان بهدف إنشاء منطقة أمنية عازلة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.