2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تتواصل التحذيرات من انتشار مقاطع رقمية موجهة للأطفال على منصات مثل “تيك توك” و”فايسبوك” و”إنستاغرام”، من بينها محتوى “الفواكه الخارقة”، الذي يبدو في ظاهره ترفيهيا، لكنه يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثيراته النفسية والعقلية على الفئات الصغيرة، وسط دعوات لتشديد المراقبة الأسرية والتفكير في تدخل مؤسساتي لحماية القاصرين.
وكانت مؤسسات تعليمية قد نبهت في وقت سابق إلى خطورة هذا النوع من الفيديوهات، مؤكدة أن “فيديوهات كرتونية تبدو بريئة (شخصيات فواكه أو أبطال خارقين)، لكنها تخفي رسائل غير مناسبة قد تؤثر سلبا على نفسية الطفل وسلوكه”، مع تسجيل مضامين تتضمن “إيحاءات غير أخلاقية” و”مشاهد توتر أو خوف” و”سلوكيات بعيدة عن القيم التربوية”.
في هذا السياق، حذّرت بشرى الرايس، أخصائية في علم النفس الاجتماعي، من التساهل في التعامل مع الأطفال والمراهقين أمام الشاشات، مؤكدة أن “العطل تتيح فراغا زمنيا يتحول إلى بيئة خصبة لتعميق الارتباط بالعالم الافتراضي”، مضيفة أن هذا الارتباط “قد يمتد إلى تفاعلات عابرة للحدود داخل فضاءات اللعب، ما يعزز الانخراط النفسي فيها”.
وأوضحت الرايس، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن “تحول مشاهدة مقاطع التيك توك والإنستاغرام إلى سلوك إدماني ينعكس سلبا على النمو النفسي والعصبي لدى الطفل والمراهق”، مبرزة أن من أبرز المؤشرات “ضعف القدرة على التركيز وتراجع الأداء في الأنشطة التعليمية”، إلى جانب “العزلة الاجتماعية والاضطرابات السلوكية وسرعة الاستثارة والانفعال”.
ونبهت الخبيرة إلى أن “تجاوز مدة استعمال الهاتف والتلفاز لعدة ساعات متواصلة يستدعي تدخلا تنظيميا من طرف الأسرة”، خاصة أن “الاندماج المكثف في بيئات افتراضية تلعب على مشاعر العداء والصراع قد يسهم في تنمية نزعات عدوانية، إضافة إلى اضطراب أنماط النوم”.
وأكدت الأخصائية أن التأثير لا يقف عند السلوك، بل يمتد إلى القدرات الذهنية، مشيرة إلى أن “استنزاف الطاقة الذهنية، خصوصا مع التعرض الطويل للإشعاعات الصادرة عن الشاشات”، يكون أكثر خطورة لدى الأطفال، حيث “قد يؤدي الإفراط في التعرض المبكر إلى اختلالات نمائية حادة، من بينها اضطرابات في التواصل والتطور الذهني”.
وفي ما يتعلق بكيفية التعامل مع هذه الظاهرة، شددت الرايس على ضرورة التقنين، موضحة أنه “يجب تقنين زمن مشاهدة التلفاز واستعمال الهاتف في حدود معقولة، مع ضرورة إعادة بناء الإيقاع اليومي الطبيعي، خاصة ما يتعلق بدورة النوم”، مع تشجيع الأطفال على “الانخراط في أنشطة بديلة كالممارسة الرياضية والقراءة والفنون”.
ودعت الأخصائية النفسية إلى الحذر الشديد مع الفئات العمرية الصغيرة، مؤكدة أن “تعريض الأطفال دون سن الثالثة للشاشات يعد مرفوضا طبيا”، وأن “الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية قد يؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية غير سوية، تشبه في بعض مظاهرها اضطرابات طيف التوحد”.
وسجلت الرايس أن “انتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية داخل الأسرة ساهم في تراجع التفاعل الأسري”، وهو ما “يؤثر سلبا على النمو الاجتماعي والنفسي للأطفال”، مشيرة إلى أن “الاستعمال المفرط للشاشات يضر بالتركيز ويؤثر على تطور الدماغ، ما يستدعي ضبط مدة الاستخدام ومراقبة المضامين المعروضة”.
وبخصوص الجدل حول ضرورة تدخل الدولة، نبهت الأخصائية إلى “المخاطر المرتبطة بوصول القاصرين إلى محتويات غير ملائمة عبر الإنترنت”، داعية إلى “تبني سياسات تنظيمية صارمة تحد من ولوج الأطفال إلى بعض المنصات الرقمية”، مع “ضرورة تدخل المؤسسات المختصة لضبط هذا المجال في إطار حماية الطفولة”.
ورغم ذلك، شددت على أن “المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الأسرة”، باعتبارها الجهة التي تتحكم في تمكين الأطفال من هذه الوسائل، محذرة من “التأثيرات الضارة للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات على العينين والوظائف الدماغية”، ومؤكدة أن غياب المراقبة يجعل الأطفال “يكتسبون مفردات وسلوكات لا يدركون معناها”.
وشددت الرايس على أن التعامل مع هذه الظاهرة يقتضي توازنا بين الرقابة الأسرية والتأطير المؤسساتي، عبر “تأطير استعمال التكنولوجيا داخل الأسرة وفق ضوابط تربوية واضحة، تضمن الاستفادة منها دون الوقوع في آثارها السلبية”.