2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أثار الحكم الصادر في حق صانع المحتوى المعروف بـ ”عبد الإله مول الحوت” نقاشا واسعا حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، ليعيد طرح إشكالية مركزية عنوانها؛ هل يمكن لمثل هذه الأحكام أن تساهم فعلا في الحد من الجرائم الإلكترونية والفوضى التي تعرفها مواقع التواصل الاجتماعي، أم أنها قد تشكل مدخلا للتضييق على أصوات معارضة أو ناقدة على هذه المنصات؟
وأمس الثلاثاء 28 أبريل الجاري، أدانت المحكمة الابتدائية بمدينة مراكش (ع.ح)، بعد متابعته في حالة سراح، بتهم تتعلق بالتحريض على التمييز والكراهية عبر الوسائل الإلكترونية، والتقاط وبث صورة شخص دون موافقته، إلى جانب نشر ادعاءات ووقائع كاذبة تمس بالحياة الخاصة والتشهير، وقضت الهيئة القضائية بعقوبة حبسية مدتها خمسة أشهر موقوفة التنفيذ، وغرامة مالية قدرها 1500 درهم. غير أن أبرز ما حمله الحكم هو منعه من استعمال جميع مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية والقنوات الخاصة به لمدة خمس سنوات، وهو الإجراء الذي أثار وأحيا المخاوف من استعمال مثل هذه الأحكام في التضييق على حرية التعبير في الفضاء الرقمي.
وفي تفاعلها مع هذا الحكم، قالت المحامية والناشطة الحقوقية نعيمة الكلاف إن “الحكم على عبد الإله مول الحوت بالمنع من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 5 سنوات يمكن أن يحيي بعض المخاوف من استعمال القضاء للتضييق على نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي”، مضيفة أن “السؤال الذي يجب أن نجيب عنه اليوم بوضوح، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، هو أين تبدأ حرية التعبير وأين تنتهي”.
وأكدت الكلاف، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن “حرية التعبير هي الأصل ويجب أن يتمتع بها الجميع سواء كانوا نشطاء أو مواطنين عاديين”، مشددة على أن “حرية التعبير مضمونة بمقتضى الدستور والقانون وبمقتضى الاتفاقات الدولية التي وقع عليها المغرب”، قبل أن توضح أن “الإشكال اليوم يقع بين حماية حرية التعبير والحفاظ على مصالح الناس ومحاربة التشهير والجرائم الإلكترونية”.
وشددت الناشطة الحقوقية، “الأكيد أن الحرية ليست مطلقة ولا تمنح لأي شخص الحق في المس بالآخرين بأي شكل من الأشكال”، منبهة إلى أنه “اليوم حتى المسؤولين العموميين لا يجب أن يوجه لهم السب، فمن حق المغاربة انتقادهم وإبداء آرائهم تجاه السياسات التي يعتمدونها دون إساءة”.
وأكدت الكلاف على أن التخوف من استعمال مثل هذه الأحكام في التضييق على النشطاء الحقوقيين والسياسيين، موضحة أن “القضاء يجب أن يكون هو الساهر على حماية الحقوق والحريات، وهو مطالب بحماية حرية التعبير، وبطبيعة الحال يجب أن يعاقب الخارجين على هذا الإطار والذين يمسون الحياة الخاصة للأفراد”.
وترى المحامية بهيئة الرباط أن الخطير في مواقع التواصل الاجتماعي أنها “لا توفر الحق في النسيان، فالأشخاص الذين يرتكبون جريمة ويعاقبون بسببها، بعد أن تنتهي مدة العقوبة فإن الملف يطوى، ويمكنهم سلوك مسطرة رد الاعتبار، لكن في مواقع التواصل الاجتماعي تبقى تلك الإساءات مدونة ومحفوظة ويمكن العودة لها في كل مرة، مما يسبب أثرا غير محدود في الزمن للمتضررين”.
وشددت الكلاف على أنه “يجب الفصل بوضوح بين حرية التعبير وحق الناس في إبداء آرائهم وبين الأشياء الخطيرة التي تمس الحياة الخاصة للأفراد”، مضيفة، “اليوم من خلال تتبع عدد الشكايات التي توجه للقضاء بخصوص جرائم التشهير فإن عددها يبقى ضعيفا، لأن الكثيرين يفضلون الصمت وهناك من لا يمتلك الشجاعة لمواجهة مثل هذه الجرائم”.
وزادت الكلاف، في نفس الإطار، “هناك مسؤوليات يتحملها المواطن، بسبب ضعف الثقافة القانونية، وهناك من لا يعرف هل تلك الممارسات المسيئة ممنوعة أم لا، وذلك بفعل التطبيع مع مثل هذه الجرائم”، مبرزة أن “المغرب يتوفر على ترسانة قانونية كبيرة وأدوات يمكن لها أن تضبط هذا الفضاء”.
وبين الحاجة إلى التصدي للتشهير والجرائم ذات الطبيعة الإلكترونية وحماية حرية التعبير، يظل النقاش مفتوحا حول مدى قدرة مثل هذه الأحكام، خاصة تلك التي تقضي بالمنع الطويل من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، على إعادة ضبط هذا الفضاء الرقمي، أو ما إذا كانت ستثير مخاوف أوسع ويمكن أن تشكل مدخلا للحد من حرية التعبير في المستقبل.