لماذا وإلى أين ؟

المغرب الذي نعيشه بصمت… لماذا أصبحت الحياة اليومية أصعب مما يجب؟

بدر شاشا

في المغرب اليوم، لا يمكن الحديث عن أزمة واحدة منفصلة، لأن الواقع أصبح شبكة مترابطة من الضغوط اليومية التي تمس كل مواطن دون استثناء. لم يعد الأمر يتعلق فقط بارتفاع الأسعار أو قلة الشغل أو مشاكل التعليم أو تعقيد الإدارة، بل أصبح يتعلق بإحساس عام يتسلل بهدوء إلى الناس: أن الحياة أصبحت تحتاج جهداً أكبر بكثير من قدرتها الطبيعية.

المواطن المغربي اليوم يعيش مع الأسعار كأنها كائن حي يتحرك باستمرار. لم تعد الزيادة حدثاً استثنائياً، بل أصبحت حالة دائمة. المواد الأساسية، التنقل، الكراء، وحتى التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، كلها أصبحت تُحسب بدقة مؤلمة. المشكلة ليست فقط في الغلاء، بل في الإحساس بأن الدخل لا يواكب هذا الواقع مهما حاول الفرد التكيف. وهنا يتحول الاقتصاد من أرقام إلى ضغط نفسي يومي يرافق الأسرة من أول الشهر إلى آخره.

في الجانب الآخر، الشغل لم يعد مجرد مرحلة بعد الدراسة، بل أصبح امتحاناً طويل الأمد لا نهاية واضحة له. الشباب يدخلون سوق العمل بأمل كبير، لكنهم يصطدمون بواقع مختلف: فرص قليلة، شروط مرتفعة، وتجربة مطلوبة حتى قبل الحصول على أول فرصة. وبين الانتظار والبحث وإعادة المحاولة، يضيع الكثير من الوقت والطاقات، ويبدأ السؤال الحقيقي في الظهور: هل المشكلة في غياب الفرص، أم في طريقة توزيعها وربطها بالتكوين الحقيقي؟

التعليم، الذي يفترض أن يكون الجسر نحو المستقبل، يعيش بدوره مفارقة عميقة. هناك مجهود واضح، وهناك إصلاحات، لكن هناك أيضاً فجوة بين ما يُدرَّس وما يُعاش. الطالب يتعلم كثيراً، لكنه لا يلمس دائماً كيف يتحول هذا التعلم إلى مهارة حقيقية في الحياة. يتم التركيز على النجاح في الامتحان أكثر من النجاح في الواقع، وعلى الحفظ أكثر من الفهم، وعلى التكرار أكثر من الإبداع. وهكذا يتحول التعليم من أداة تحرير إلى مرحلة انتظار أخرى.

الفساد الإداري، في المقابل، لا يظهر دائماً بشكل مباشر، لكنه يتسلل عبر التفاصيل. تأخر بسيط في ملف، تعقيد غير مبرر في إجراء، غياب الشفافية في قرار، أو شعور المواطن أنه يحتاج إلى علاقات لكي تُقضى حاجته. هذا النوع من الاختلالات لا يخلق فقط بطئاً في الإدارة، بل يخلق شيئاً أخطر: فقدان الثقة. وعندما تُفقد الثقة، يصبح أي إصلاح مهما كان جيداً ناقص الأثر.

وسط هذا كله، تبقى الحياة اليومية هي الإطار الحقيقي الذي يجمع كل هذه التحديات. المواطن لا يعيش ملفاً واحداً، بل يعيش تداخلاً مستمراً بين التنقل، الصحة، السكن، التعليم، العمل، والإجراءات الإدارية. كل شيء مرتبط بالآخر، وكل ضغط يزيد من الضغط الذي يليه. لذلك يشعر الكثيرون أن الحياة أصبحت ثقيلة ليس بسبب حدث واحد، بل بسبب تراكمات صغيرة متواصلة.

لكن رغم هذا الواقع، فإن المشكلة ليست في غياب الحلول. المغرب يملك إمكانيات بشرية واقتصادية مهمة، لكنه يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات بشكل أكثر وضوحاً. الأسعار تحتاج إلى توازن حقيقي يحمي القدرة الشرائية ويشجع الإنتاج المحلي ويحد من الاحتكار. سوق الشغل يحتاج إلى ربط فعلي بين التكوين والاقتصاد، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وفتح المجال أمام الاقتصاد الرقمي الذي أصبح اليوم فرصة حقيقية للشباب.

التعليم يحتاج إلى تحول أعمق من مجرد تعديل برامج، نحو تغيير فلسفة التعلم نفسها، بحيث يصبح الطالب قادراً على التفكير، التحليل، وحل المشكلات، لا فقط تكرار المعلومات. والإدارة تحتاج إلى تبسيط شامل، ورقمنة حقيقية تقلل من التعقيد وتعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، مع ربط واضح بين المسؤولية والمحاسبة. المغرب لا يعيش أزمة واحدة، بل يعيش مرحلة إعادة تشكل تحتاج إلى وضوح في الرؤية وجرأة في التنفيذ. والمواطن في كل هذا لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن تصبح الحياة اليومية أقل تعقيداً، وأكثر عدلاً، وأكثر قابلية للفهم والعيش.لأن السؤال الحقيقي الذي يظل عالقاً في ذهن الجميع هو بسيط جداً وعميق في نفس الوقت:

لماذا أصبح العيش الطبيعي يحتاج كل هذا الجهد؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x