لماذا وإلى أين ؟

خبير يُعدد أسباب فشل الوفد المغربي في انتخابات البرلمان الإفريقي أمام الجزائر

فتحت نتائج انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقي بمدينة ميدراند، والتي آلت لصالح المرشح الجزائري فاتح بوطبيق، الباب لتساؤلات حول أسباب فشل الوفد المغربي في انتخابات البرلمان الافريقي.

وحصل المرشح المغربي، البرلماني الاستقلالي لحسن حداد على أربعة أصوات فقط مقابل 19 صوتا لمنافسه الجزائري بوطبيق.

وتدفع هذه النتيجة الهزيلة إلى التساؤل عن طبيعة التحضيرات التي سبقت العملية الانتخابية، ومدى قدرة التكتيكات المعتمدة على مجاراة موازين القوى داخل مجموعة شمال إفريقيا، في ظل تنافس إقليمي محتدم على قيادة هذه المؤسسة التشريعية القارية.

ما هي إذن الأسباب الحقيقية وراء هذا التعثر الانتخابي للوفد المغربي؟ ولماذا فضل المغرب تقديم مرشحه في اللحظات الأخيرة دون تغطية كافية من التحركات الميدانية؟ وكيف يمكن تفسير الفارق الشاسع في الأصوات؟ ثم ما هي الدروس التي يجب استخلاصها لتدبير معارك النفوذ داخل أجهزة القرار التابعة للاتحاد الإفريقي مستقبلا؟

في هذا الصدد، يرى شادي البراق عبد السلام، خبير في العلاقات الدولية، أن نتائج انتخابات الرئاسة الدورية لبرلمان عموم إفريقيا الأخيرة، تكتسي صبغة المؤشر المقلق حول اتساع الهوة بين النجاحات الاستراتيجية التي تحققها الدبلوماسية الرسمية، المرتكزة على الرؤية الملكية المتبصرة والطموحة، وبين الأداء الباهت للدبلوماسية البرلمانية خلال السنة الأخيرة من الولاية التشريعية.

فبينما تنجح مؤسسات الدولة السيادية، يضيف عبد السلام، في حديث لـ ”آشكاين”، في تثبيت مكتسبات كبرى وترسيخ ريادة المملكة قاريا عبر سياسات واضحة وعمل ميداني دؤوب، عَجز الفريق البرلماني عن تحويل هذا الزخم إلى قوة تأثير حقيقية داخل ردهات البرلمان الإفريقي، مما جعل المصالح الوطنية عرضة لمناورات الخصوم في ظل غياب رؤية برلمانية استباقية توازي حجم التحديات الراهنة.

وشدد نفس الخبير على أن العقل الاستراتيجي المغربي، من خلال الالتزام الصارم بالرؤية الملكية المتبصرة، ”وفًر كل الشروط الذاتية والموضوعية لنجاح الفريق البرلماني في تجاوز مناورات الخصوم، مستندا إلى زخم دبلوماسية القنصليات والمشاريع الهيكلية القارية، وصولا إلى مكاسب القرار الأممي 2797 وديناميكية سحب الاعترافات المتواصلة، إضافة إلى المشاركة المتواترة لرئيس مجلس النواب في حفلات تنصيب رؤساء دول إفريقية كرسالة دعم قوية للشرعية والاستقرار”.

البراق شادي عبد السلام

وقال المتحدث إن المسار السيادي الذي عززته مواقف دول كبرى، أكدت سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، قدم أرضية خصبة كان يفترض استثمارها لترسيخ ريادة المؤسسة التشريعية في المحافل الإفريقية وتحصين المكتسبات الوطنية من أي استهداف مؤسساتي.

وأضاف أن اللجوء المتكرر للاختباء خلف المصوغات القانونية والبحث عن ثغرات إجرائية لتبرير النتائج المخيبة، يكشف عن غياب حقيقي لثقافة تحمل المسؤولية السياسية لدى الوفد المشارك، ذلك أن المعارك الدبلوماسية في المحافل القارية لا تدار بالعفوية أو بالاكتفاء بالخطب الرنانة والتقاط الصور التذكارية، بل تتطلب وفدا يمتلك دراية عميقة وفهما دقيقا لتعقيدات العمل الدبلوماسي المبني على أسس علمية وأكاديمية رصينة، وهو الأمر الذي كان سيسمح بتجاوز العثرات الإجرائية ومناورات الخصوم عبر بناء تحالفات صلبة واختراق الكتل الجيوسياسية بذكاء وتفاوض استراتيجي قبل الوصول إلى لحظة التصويت الحاسمة.

وسط كل هذا، يسترسل شادي البراق عبد السلام، يبرز تساؤل جوهري حول الجدوى من استثمار البرلمان المغربي في توفير كافة الظروف اللوجستية والمادية المريحة، وضمان تعويضات وإقامة تليق بتمثيلية المملكة بتنسيق وثيق مع المصالح الدبلوماسية في بريتوريا، دون أن ينعكس ذلك على جودة المردودية السياسية والدبلوماسية؛ الأمر الذي يتطلب اليوم، بحسب المتحدث، ”التفكير بشكل جدي ومسؤول في تجاوز هذه الثغرات من خلال وضع حكامة جديدة لاختيار “البروفيلات” التي تمثل المغرب في إطار الدبلوماسية الموازية، عبر إخضاعهم لدورات تكوينية تخصصية ومعايير كفاءة صارمة تضمن وجود وعي حقيقي بموازين القوى وتجيد فن المرافعة عن القضايا الوطنية في البيئات السياسية المعقدة”.

كما أن الفهم الدقيق لطبيعة التوازنات السياسية داخل البرلمان الإفريقي، يضيف الخبير، يتجاوز مجرد معرفة النصوص القانونية، ليمتد إلى إدراك عميق للتحالفات الجيوسياسية التي تحرك القارة؛ لافتا إلى أن المؤسسة التشريعية القارية بجنوب إفريقيا تعكس صراعا خفيا ومعلنا بين كتل إقليمية، حيث تلعب “المجموعات الجيوسياسية الخمس” دورا محوريا في توجيه القرارات وتوزيع المناصب القيادية.

وأشار الخبير إلى أن هذا الواقع يفرض على الدبلوماسية البرلمانية المغربية الانتقال من منطق “الحضور والمشاركة” إلى منطق “التأثير الناعم والاختراق الاستراتيجي”، بعيدا عن البروتوكولات الجامدة، ما يستدعي، وفقا لعبد السلام دائما، “بروفيلات” برلمانية قوية تجمع بين التكوين الأكاديمي الرصين في العلاقات الدولية وبين المرونة السياسية التي تقتضيها البيئات المتعددة الأطراف، والرصيد المهني المخضرم لضمان تحويل القوة الناعمة للمملكة إلى مكتسبات مؤسساتية ملموسة”.

وخلص إلى أن فك شفرات هذه التوازنات يتطلب بالضرورة الدفع ببروفيلات قوية سياسيا وأيديولوجيا وأكاديميا، قادرة على مجابهة الخصوم في معارك “كسر العظام” الفكرية والمؤسساتية؛ حيث لم يعد مقبولا الركون إلى منطق الترضيات الحزبية أو التوافقات الضيقة في اختيار الممثلين، بل الأولوية لمن يمتلك مشروعا فكريا وطنيا وقدرة على قراءة الخريطة السياسية لكل إقليم على حدة، وفهم التقاطعات بين المصالح الوطنية للدول والرهانات الإقليمية، فالرهان القاري اليوم لا يرحم “الهواة”، بل يتطلب نفسا طويلا في التفاوض وبناء جسور الثقة القائمة على الندية والوعي التام بموازين القوى المتغيرة داخل القارة السمراء.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x