لماذا وإلى أين ؟

القاسم الانتخابي: الاستثناء المغربي

حميد عسلي

تعد الانتخابات حجر الزاوية في بناء الشرعية الديمقراطية، إذ تشكل الآلية التي تترجم من خلالها إرادة المواطنين إلى مؤسسات تمثيلية قوية. وفي هذا الإطار، يكتسي القاسم الانتخابي أهمية خاصة باعتباره أداة تقنية ذات أثر حاسم في تحديد الخريطة السياسية وتوزيع المقاعد. وقد أثار اعتماد المشرع المغربي لأسلوب احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، بموجب القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، نقاشا قانونيا وفقهيا واسعا، نقاش تجاوز طابعه التقني ليطرح إشكالات دستورية تتصل بجوهر التمثيلية الديمقراطية، فما هو يا ترى هذا المسمى بالقاسم الانتخابي، ولماذا وسمناه بالاستثناء المغربي ولماذا أثار جدلا حين اعتماده ولا يزال؟

بشكل مبسط، يُقصد بالقاسم الانتخابي ذلك المعامل الحسابي الذي يُعتمد لتوزيع المقاعد بين اللوائح المتنافسة، حيث يتم تقسيم مجموع الأصوات الصحيحة المعبر عنها على عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية، وحيث أنه بالمثال يتضح المقال، فلنفترض أن دائرة انتخابية ما، بها مائة ألف ناخب وخمسة مقاعد برلمانية، فالقاسم الانتخابي الذي كان معمولا به قبل التعديل، يقوم بقسمة مجموع الأصوات الصحيحة المعبر عنها على عدد مقاعد الدائرة، يعني مثلا لو كانت الأصوات الصحيحة هي 40 ألف صوت، فكل مرشح أو حزب حصل على ثمانية آلاف صوت يحصل على مقعد برلماني، لأن قسمة 40.000 (الأصوات الصحيحة) على 5 (عدد مقاعد الدائرة) هو 8.000 ألف صوت. لكن وبتعديل حسبة هذا المعامل، أصبحت المقاعد تحتسب تبعا لعدد المسجلين بالدائرة وفي حالتنا هاته، فالقاسم الانتخابي سينتقل من 8.000 صوت إلى 20.000 صوت (5/100.000). جميل، لكن يقول قائل، أين هو الضرر، ولماذا يشكل استثناء؟

أولا، لسنا هنا طرفا في نزاع ما، لنقول بوجود الضرر من عدمه ولذلك فالهدف من التعديل والجهة من ورائه هي من يفترض فيها تبرير تغيير القاسم الانتخابي، إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الصيغة الحسابية للقاسم الانتخابي، بل في الغاية منه هل الهدف هو تحقيق تمثيلية دقيقة لإرادة الناخبين، أم إعادة توزيع الخريطة السياسية بشكل مسبق. لكنه بالفعل يشكل استثناء، فقد انتقده أساتذة الفقه الدستوري، حيث وصفه الأستاذ رشيد المدور “بالبدعة”، وقال الاستاذ محمد أمين بنعبدالله في تعليقه على قرار المحكمة الدستورية بخصوص هذا التعديل بأنه “شيك على بياض”.

ثانيا، فمن جهة، يطرح هذا الاختيار تساؤلات حول مدى انسجامه مع مقتضيات دستور المملكة المغربية لسنة 2011، خاصة فيما يتعلق بمبدأ السيادة للأمة، ومبدأ المساواة بين المواطنين، وضمان نزاهة العمليات الانتخابية. ومن جهة أخرى، أفرز قرار المحكمة الدستورية لإقرار دستورية هذا المقتضى نقاشا إضافيا حول حدود السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم الأنظمة الانتخابية، ومدى خضوعها لرقابة دستورية فعالة.

الأستاذ المدور (1)، خلص إلى أن هذا المقتضى مشوب بعدم الدستورية، وأجمل في ذلك ست ملاحظات، انطلاقا من تعارضه مع مبدأ التمثيل النسبي، ومخالفته لقواعد الانصاف والعدالة، مرورا بالمس بإرادة الناخبين والإرادة الشعبية وصولا إلى المساس بالاختيار الديمقراطي للامة وانتقاص شرعية الحكومة المنبثقة عن الانتخابات. وبدوره قال الأستاذ محمد أمين بنعبدالله (2)، بخصوص قرار المحكمة الدستورية لهذا القانون التنظيمي، بأنها استقالت من وظيفة الضبط للقضاء الدستوري لما اعتبرت نفسها غير معنية بتقييم مدى دستوريته، وذلك لكونه آلية تقنية تدخل ضمن اختصاص المشرع البرلماني، والدستور لم يتضمن أي قاعدة صريحة تتعلق بطريقة احتساب القاسم الانتخابي، إذن فهو يدخل ضمن السلطة التقديرية للبرلمان.

الدستور المغربي أقر مبدأ التعددية، والحزب الوحيد لا مكان له بالمغرب، ويمكن دعم وتعزيز التعددية بطرق شتى، لكن ان يتم تقوية التعددية الحزبية من مدخل القاسم الانتخابي مقرونا بتخفيض العتبة الانتخابية سابقا من ستة بالمئة إلى ثلاثة لضمان تمثيل أوسع لمختلف التيارات السياسية في مجلس النواب، هو في الحقيقة تشتيت للمشهد الحزبي وخطوة قاسمة في ظهر بناء أقطاب حزبية قادرة على التمايز والتنافس القبلي ببرامج ومرجعيات واضحة وعلى أساسها تتم الاصطفافات البعدية للانتخابات.

القاسم الانتخابي الحالي يحتسب بطريقة غير مباشرة الممتنعين عن التصويت، وبذلك فالممتنع عن التصويت أصبح يغير النتيجة النهائية وأصبحت بالموازاة مع ذلك الأصوات الصحيحة والمعبر عنها تفقد جزءا من أثرها، ولم يعد توزيع المقاعد يعكس الحجم الحقيق لكل حزب على حدة، فالحاصل على 60 بالمائة من الأصوات قد يحصل على نفس عدد مقاعد الحزب الحاصل على 1 بالمائة وهو أمر يضرب في الصميم مبدأ التمثيلية وإرادة الناخب. الممتنع لسبب ما أضحى له صوت مسموع وكذلك الأصوات الملغاة تحتسب، لكن الغريب أيضا أن هذا الصوت أصبح مسموعا كذلك للميت الذي لا زال مسجلا بقاعدة الناخبين، وأصبح كذلك صوت “المجرمين” المحرومين من الحقوق المدنية صوتا محتسبا ومؤثرا، وصوت المهاجرين والمغتربين والمختفين.. في ظل ذلك يسأل صديقنا المواطن الحريص على إسماع صوته من خلال صناديق الاقتراع، الراغب في التغيير، هل سيسمع صوتي حقا، وإذا كان الجواب بالنفي أو حتى التقليل من أهميته، فما فائدة التصويت إذن؟

  • ذ. رشيد المدور، القاسم الانتخابي: قراءة دستورية في ضوء المعايير الدولية للانتخابات الديمقراطية والنزيهة، دفاتر برلمانية، مجلة متخصصة في العلوم الدستورية والسياسية، المجلد 2، العدد 2، أكتوبر 2023.
  • ذ. محمد امين بنعبدالله، المحكمة الدستورية والقاسم الانتخابي، تعليق على قرار المحكمة الدستورية رقم 118/21 الصادر بتاريخ 7 أبريل 2021، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 158، ماي-يونيو 2021.

حميد عسلي، باحث في القانون العام والعلوم السياسية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x