2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أنير بالا
لا شك أن اعتماد مجلس الأمن الدولي لمقاربة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي لنزاع الصحراء يمثل تحولا نوعيا في مسار ملف امتد لأزيد من خمسة عقود منذ سنة 1975. فمنذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في 30 أبريل 2007، ظل مجلس الأمن، في قراراته المتتالية، يعتبرها «جدية وذات مصداقية»، قبل أن تتكرس في السنوات الأخيرة كالإطار الواقعي الوحيد لحل سياسي دائم، قائم على التوافق، وضمن السيادة المغربية.
غير أن أهمية مشروع الحكم الذاتي لا تقتصر على بعده الدبلوماسي، بل تتجاوز ذلك إلى كونه جزءا من تصور أوسع لإصلاح بنية الدولة، يقوم على إعادة توزيع السلطة، والحد من مركزية القرار، وبناء ديمقراطية ترابية فعلية. ويظهر هذا البعد بوضوح عند ربط الحكم الذاتي بمسار الجهوية المتقدمة، الذي شكل أحد أكبر أوراش الإصلاح المؤسساتي بالمغرب خلال العقدين الأخيرين.
الجهوية المتقدمة: السياق والتأطير الزمني
أعلن رسميا عن خيار الجهوية المتقدمة في الخطاب الملكي ليوم 3 يناير 2010، الذي دعا فيه الملك محمد السادس إلى إرساء جهوية «عميقة ومتدرجة»، باعتبارها رافعة أساسية للتنمية، وأداة لتحديث الدولة، وإطارا مناسبًا لتدبير الخصوصيات المجالية والثقافية. وفي السياق نفسه، تم إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية سنة 2010، التي رفعت تقريرها في مارس 2011، متضمنا تصورا متكاملا لتوزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات.
وقد توج هذا المسار دستوريا مع اعتماد دستور 2011، الذي خصص للجهوية بابا كاملا (الفصول 136 إلى 146)، ونص صراحة على أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على مبادئ التدبير الحر، والتضامن، والتفريع، وعلى نقل فعلي للاختصاصات والموارد إلى الجماعات الترابية، وفي مقدمتها الجهات.
وفي سنة 2015، تم اعتماد القوانين التنظيمية المؤطرة للجهات والجماعات الترابية (القوانين 111.14، 112.14، 113.14)، كما نظمت أول انتخابات جهوية في شتنبر 2015، ما مثل من الناحية الشكلية انطلاقة فعلية للجهوية المتقدمة.
تعثر التنزيل: من النص إلى الممارسة
رغم هذا الإطار الدستوري والقانوني المتقدم، ظل تنزيل الجهوية المتقدمة محدود الأثر، وهو ما يفسر استمرار مركزية القرار كإحدى الإشكالات البنيوية للدولة المغربية. ويمكن تلخيص أسباب هذا التعثر في عدة مستويات متداخلة:
أولا، ضعف نقل الاختصاصات الفعلية من القطاعات الوزارية إلى الجهات، حيث ظلت أغلب السياسات العمومية الكبرى (الاستثمار، التعليم، الصحة، التخطيط) تدار مركزيا، مع حضور قوي للإدارة الترابية ممثلة في الولاة والعمال، ما قلص من هامش القرار الجهوي المنتخب؛
ثانيا، المحدودية المالية للجهات، إذ لم يواكب توسيع الاختصاصات بنقل متوازن للموارد، وبقيت الجهات تعتمد بشكل كبير على التحويلات المركزية، ما قيد قدرتها على بلورة سياسات تنموية مستقلة؛
ثالثا، الثقافة الإدارية المركزية، التي ما تزال تنظر إلى الجهوية باعتبارها آلية تنفيذ محلية، لا مستوى للحكم واتخاذ القرار، وهو ما أفرغ مبدأ “التدبير الحر” من محتواه السياسي؛
رابعا، غياب رؤية سياسية شاملة تجعل من الجهوية مشروع دولة متكاملا، لا مجرد إصلاح تقني أو إداري، وهو ما أشار إليه الملك نفسه في أكثر من خطاب لاحق، حين انتقد بطء تنزيل الجهوية، وضعف التنسيق، وغياب الالتقائية بين السياسات العمومية.
الجهوية، الحكم الذاتي، وتدبير التنوع الثقافي
في هذا الإطار، يكتسب مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية بعدا مضاعفا، إذ لا يقدم فقط نموذجا متقدما لتفويض السلطة، بل يطرح أيضا آلية عملية لتدبير التنوع الثقافي واللغوي، خصوصا الخصوصية الحسانية، في انسجام مع روح دستور 2011 الذي اعترف بالأمازيغية لغة رسمية، ونصّ على صيانة مختلف روافد الهوية الوطنية.
وتظهر التجارب المقارنة، خاصة في الدول الفدرالية أو اللامركزية المتقدمة، أن تدبير التعدد الثقافي لا ينجح إلا حين يربط بصلاحيات ترابية حقيقية. ففي سويسرا وكندا وألمانيا، مكن توزيع السلطة الجهات من حماية لغاتها وثقافاتها داخل إطار الدولة الواحدة. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار الحكم الذاتي في الصحراء امتدادا متقدما لمنطق الجهوية، وليس استثناء عنها.
في أفق الفدرالية: سؤال مفتوح
لا يعني الربط بين الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة والفدرالية الدعوة إلى تبني نموذج فيدرالي جاهز، بل فتح نقاش هادئ حول مستقبل الدولة المغربية، وحدود المركز، ودور الجهات في إنتاج القرار العمومي. فالتجربة المغربية تظهر أن الحفاظ على وحدة الدولة لا يتناقض مع توسيع هامش الحكم المحلي، بل قد يتعزز به.
وعليه، فإن الحكم الذاتي، إذا ما تم تنزيله في انسجام مع جهوية حقيقية، ومع تدبير عقلاني للتنوع الثقافي واللغوي، يمكن أن يشكل مدخلا لإصلاح عميق لبنية الدولة، يربط بين الوحدة، والديمقراطية الترابية، والعدالة المجالية، ويحول التنوع من عبء سياسي إلى رافعة استقرار وتنمية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.