لماذا وإلى أين ؟

ماعنديش باش نعيد عيد الأضحى في المغرب: موسم الفرح تحت ضغط الغلاء وهيمنة المضاربة 

بدر شاشا 

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك لسنة 1447هـ، والذي يُرتقب أن يحل في أواخر شهر ماي 2026، يعود هذا الموعد ليحتل صدارة النقاش العمومي في المغرب، ليس فقط كعيد ديني عظيم، بل كمرآة تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي بكل تعقيداته. فالمغاربة لا يستعدون للعيد فقط بشراء الأضحية، بل يدخلون في نقاش واسع حول الأسعار، والقدرة الشرائية، ودور الوسطاء والمضاربين في إشعال فتيل الغلاء.

في الأحياء الشعبية كما في المدن الكبرى، في الأسواق كما على مواقع التواصل، يتكرر نفس السؤال: لماذا كل شيء أصبح غالياً؟ ولماذا يشعر المواطن أن دخله لم يعد يكفي حتى للأساسيات، فضلاً عن تكاليف عيد الأضحى؟

الأسعار لم تعد مجرد أرقام، بل أصبحت قضية رأي عام، ومصدر احتقان حقيقي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد أساسية مثل اللحوم، والأسماك، والخضر، والفواكه، التي تشكل جزءاً يومياً من مائدة المغاربة.

في قلب هذا الجدل، يبرز دور ما يُعرف في الثقافة الشعبية بـ”الشناقة” والمضاربين، الذين أصبحوا في نظر شريحة واسعة من المواطنين أحد الأسباب الرئيسية في ارتفاع الأسعار، ليس فقط في الأضاحي، بل في مختلف المواد الغذائية.

الشناق لم يعد مجرد وسيط بسيط بين الفلاح والمستهلك، بل تحول في كثير من الحالات إلى فاعل مؤثر في تحديد الأسعار. يقوم بشراء كميات كبيرة من المنتجات من المصدر، سواء كانت ماشية أو خضراً أو فواكه أو حتى أسماك، ثم يعيد طرحها في السوق بهوامش ربح مرتفعة، مستغلاً ضعف التنظيم وغياب المراقبة الصارمة في بعض الأحيان.

هذا السلوك لا يقتصر على فترة عيد الأضحى، بل يمتد طوال السنة، مما يجعل المواطن يعيش تحت ضغط غلاء مستمر. فأسعار الأسماك ترتفع رغم وفرة السواحل، وأسعار الخضر والفواكه تتقلب بشكل غير مفهوم رغم الإنتاج المحلي، وأسعار اللحوم تعرف زيادات متكررة، كلها مؤشرات تجعل الشكوك تتجه نحو وجود حلقات وسيطة تستفيد من الفوضى أكثر مما تخدم السوق.

المضاربة هنا لا تعني فقط البيع بثمن مرتفع، بل تشمل أيضاً تخزين السلع في فترات معينة، وتقليل العرض بشكل مصطنع، ثم إعادة ضخها في السوق عندما يرتفع الطلب، كما هو الحال قبل المناسبات الكبرى مثل عيد الأضحى أو شهر رمضان.

هذا الواقع يخلق نوعاً من الاختلال في السوق، حيث لا تعكس الأسعار الحقيقية تكلفة الإنتاج، بل تتحكم فيها حسابات الربح السريع، وهو ما يدفع المواطن إلى الشعور بالظلم، خاصة عندما يرى الفلاح يشتكي من ضعف الأرباح، بينما يشتري هو بثمن مرتفع.

في ظل هذه المعادلة، تصبح القدرة الشرائية الحلقة الأضعف. فالأسر المغربية، التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة، تجد نفسها أمام موجة غلاء تمس كل شيء: من الخبز إلى اللحم، من الخضر إلى الفواكه، من السمك إلى الأضحية.

ومع اقتراب العيد، يتضاعف هذا الضغط، حيث ترتفع أسعار الأضاحي بشكل ملحوظ، ويُعاد نفس النقاش حول دور الشناقة والمضاربين في تضخيم الأسعار، واستغلال حاجة الناس لهذه الشعيرة.

في المقابل، تتابع الأسر المغربية بلاغات وزارة الفلاحة التي تؤكد في كثير من الأحيان وفرة القطيع والحالة الصحية الجيدة للأغنام والماعز، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كان العرض متوفراً، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟ ولماذا لا يشعر المواطن بهذا التوازن؟

الجواب، في نظر الكثيرين، يكمن في غياب تنظيم فعال للسوق، وترك المجال مفتوحاً أمام المضاربين للتحكم في مسارات التوزيع، من الضيعة إلى السوق، ومن السوق إلى المستهلك.

هذا الوضع يستدعي إعادة النظر في طريقة تدبير سلاسل التوزيع، وتعزيز المراقبة، وتشجيع البيع المباشر بين المنتج والمستهلك، للحد من تدخل الوسطاء غير المنظمين.

ورغم كل هذه التحديات، يبقى عيد الأضحى مناسبة تحمل الكثير من القيم الجميلة في المجتمع المغربي، من تضامن وتكافل، حيث تحرص العديد من الأسر على تقاسم اللحم مع المحتاجين، وعلى إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، حتى في أصعب الظروف.

لكن الحفاظ على هذه الروح يتطلب وعياً جماعياً، ليس فقط من الدولة، بل أيضاً من المجتمع، بضرورة مواجهة ثقافة المضاربة، ورفض الاستغلال، والتوجه نحو استهلاك عقلاني يخفف الضغط على الجميع. عيد الأضحى ليس فقط اختباراً للأسواق، بل هو اختبار للمجتمع ككل: هل يمكن أن نحافظ على شعائرنا وقيمنا دون أن نثقل كاهلنا؟ وهل يمكن أن نبني سوقاً عادلة تحترم المواطن كما تحترم المنتج؟

بين الشناقة، والمضاربين، وغلاء الأسعار، يبقى الأمل قائماً في وعي جماعي يعيد التوازن، ويجعل من العيد لحظة فرح حقيقية، لا موسماً للقلق والمعاناة والرقمنة هي حل لكل هذه المشاكل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

3 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
ملاحظ
المعلق(ة)
7 مايو 2026 17:19

ومن فرض عليك تعيد اذا لم لم تستطع شراء الأضحية فمن الافضل لك عدم اغلاق نفسك بالدين الى متى يظل هذا العناد بين الناس .والمضحك هو انهم يتحدثون عن السنة هل جميع من يضحي يقوم بالسنة انه يذبح وياكل لا أقل ولا أكثر الكل بعيد عن السنة.

ملاحظ
المعلق(ة)
7 مايو 2026 15:19

و ماذا لو فعلنا ما فعله اخواننا الخليجيين، ترك هذه السنة بدل حمل الهم لها طول السنة، حتى الفحم تضاعف ثمنه، الأمر اليوم تجاوز ثمن الأضحية الى ارتفاع كل ماله علاقة لها.

موحى
المعلق(ة)
7 مايو 2026 11:28

تساؤول ليس له اي معنى من الزمك ان تعيد اسباب الغلاء هو تعافت بعض الناس لأشياء ليس لهم مقهورة عليها

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

3
0
أضف تعليقكx
()
x