لماذا وإلى أين ؟

الصهيونية او الخطر القادم من الشرق

د.تدمري عبد الوهاب

كيف استفادت الصهيونية العالمية من الموروث الثقافي والحياتي لليهود عبر العالم ؟. وكيف استفادت من خبرتهم في الأنشطة التجارية و المالية عبر ما كان يسمى بالاقتراض؟. وهي خبرات راكموها منذ العصور القديمة والوسطى في المجتمعات المحلية التي كانوا يعيشون فيها. وكيف استطاعت الصهيونية كحركة سياسية عنصرية في العصر الحديث ،تعتمد تفسيرا سياسيا متطرفا للنصوص التوراتية خدمة لاهداف استعمارية ،التأثير في وعي الاكثرية من اليهود ودفعتهم الى تبني الكيان الاسرائيلي كوطن قومي لهم. بحيث لا يستقيم تدينهم ، وفق هذه الأيدلوجية، ألا بتبني الأطروحة الصهيونية.

ان هذه الأطروحة وعيا منها بالنسبة الضئيلة التي يشكلها عدد اليهود الذي لا يتجاوز 2% مقارنة بعدد سكان العالم. وكذا انتشارهم في مجموعات صغيرة ضمن المجتمعات المحلية والقطرية ذات الأغلبيات المسيحية والمسلمة ،عملت بالمقابل على استثمار ما راكمته هذه المجموعات تاريخيا ، من معرفة في مجالات التجارة والمال والإقراض والفكر خلال العصر الوسيط وتحديدا خلال مرحلة النهضة الأوربية. وحولتهم من مجموعات منغلقة على الذات إلى مجموعات مؤثرة في عالم الأعمال والمال والاعلام و التكنولوجيا الرقمية وحتى الصناعة السينمائية كما هو الشأن مع هوليود .

و نحن بصدد الحديث عن هوليود وأمريكا الشمالية، لا بد من استحضار مدى حجم هذا التأثير مقارنة بعدد اليهود في أمريكا الذي لا يتجاوز سبعة ملايين ونصف نسمة في مجتمع يبلغ عدد سكانه حوالي 400 مليون وهو ما يشكل نسبة 2 الى 2,4 % من ساكنة امريكا . وهو التأثير الذي يتمظهر قدرتهم الكبيرة على التحكم في مراكز صنع القرار الأمريكي من خلال تغلغلهم الناعم و تحكمهم في مفاصل الدولة الأمريكية .

بالرجوع إلى هذه الأرقام يمكن الاستدلال بنسبة الأثرياء اليهود في أمريكا التي تتجاوز 30% من مجموع الأثرياء الأمريكيين .يل و من أصل عشرة أثرياء العالم يتواجد بينهم خمسة من أصول دينية يهودية .هذا بالاضافة الى كونهم ممثلين بأكثر من 6 % في الكونغرس الأمريكي وهو ما يتجاوز نسبة تمثيلهم في المجتمع الأمريكي بثلاث اضعاف، ونظرا لإدراكهم بأهمية التواجد بالقرب من دوائر القرار السياسي والاقتصادي عملوا على تكثيف تواجدهم بالعاصمة نيويورك التي يشكلون فيها نسبة 30% من إجمالي السكان . وهو ما يعتبر من أكبر التجمعات لهم بعد الكيان الاسرائيلي.

إن ما ينطبق على أمريكا ينطبق كذلك على أوروبا ولو بنسب اقل بعد هجرتهم الجماعية إلى الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد أن تبين لهم قدرة هذه الأخيرة على الهيمنة على العالم.

ان الصهيونية العالمية حولت الوعي إذن لدى غالبية يهود العالم ، من يهود مسالمين مندمجين في مجتمعاتهم المحلية ،الى لوبيات ضغط قوية متعصبة للأيديولوجية الصهيونية التي ربطت انتمائهم للدين بدولة “إسرائيل” كوطن قومي لهم وفق قراءتها السياسية للنصوص التوراتية . و ذلك ليس باعتماد الكثرة العددية بل بالقدرة على التنظيم والتخطيط بهدف التأثير على مراكز صنع القرار في الغرب الأطلسي وفي أمريكا تحديدا ، كقوة طاغية تسعى إلى فرض هيمنتها على العالم. وبالتالي توظيف وتأجيج هذه الرغبة لدى الإدارات الامريكية و جعل في خدمة الكيان الصهيوني.
قد يتسائل البعض عن سبب سردي لهذه الأرقام والمعطيات التحليلية حول الأدوار المؤثرة للصهيونية على اليهود اولا ،ومن ثم مراكز صنع القرار في الغرب وأمريكا .

لكن عندما نستحضر واقعنا المغربي على ضوء ما شهدناه من شنآن حول بعض الطقوس الدينية التي مارستها مجموعات دينية يهودية في بعض المدن المغربية .وكذا النقاشات الدائرة حول مدى مشروعية عودة اليهود الإسرائيليين المنحدرين من أصول مغربية وتجنيسهم. بل وتمكينهم من الولوج الى قطاعات اقتصادية و صناعية وفلاحية وتجارية ومالية الخ.. خاصة بعد عملية التطبيع التي رسمت العلاقات المغربية بالكيان الصهيوني.علما أن أغلب اليهود من ذوي الأصول المغربية الذين هجروا الى اسرائيل في مرحلة تاريخية سابقة نعرف جميعا ملابساتها . أصبحوا الآن رأس الحربة في التعصب الصهيوني. و عودتهم الى المغرب مع ما يفتح لهم من آفاق وتسهيلات اقتصادية و تجارية سواء بوعي او بدون وعي. او حتى بدواعي المصلحة الوطنية والحماية الامنية التي يمكن أن يوفرها الكيان ومن خلفه أمريكا للمغرب .

سيكون له أثر سلبي على مستقبل بلادنا خاصة أن استحضرنا ما يتمتعون به من إمكانيات وقدرات اكتسبوها عبر تاريخ طويل تمكنهم من التحكم في مفاصل الدولة والمجتمع الذي يحتضنهم و توجيه سياساته نحو خدمة المشروع الصهيوني العنصري التوسعي على حساب مصالح شعوب اخرى .بل ويمكن أن يزجوا بالبلاد في حروب ونزاعات مع دول الجوار خدمة لمشروعهم القائم على تفتيت المجتمعات من الداخل ، وذلك وفقا لمبدأ فرق تسد. خاصة وان أغلب اليهود المغاربة الذين هاجروا الى الكيان الاسرائيلي أصبحوا مقتنعين بالوطن القومي المرتبط عضويا بالصهيونية والتوراة. وليس كما يتصور البعض كونهم يهود مغاربة و فقط .ومن حقهم العودة الى وطنهم الاصلي وممارسة شعائرهم الدينية . فالتمييز هنا بين اليهودية كدين سماوي وكحق مكفول لهم دستوريا وحقوقيا. وبين الصهيونية كأيديولوجية عنصرية توسعية يعد مسألة ضرورية يجب أن يعيها الجميع بما فيها من يراهنون على الكيان الصهيوني ولوبياته المالية والاقتصادية من أجل خدمة بعض مصالحهم الانية بعيدا عن المصالح الاستراتيجية الوطنية ، اضافة كذلك الى الطائفة اليهودية المغربية الأصيلة المتواجدة تاريخيا في بلادنا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x