لماذا وإلى أين ؟

شباب المغرب بين البطالة والمقاهي والرهانات: واقع اجتماعي معقد بين الفراغ، البحث عن الربح السريع، وضياع الفرص بدر شاشا القنيطرة

بدر شاشا 

في العديد من المدن المغربية اليوم، يمكن ملاحظة مشهد يتكرر بشكل واضح: مقاهي ممتلئة بالشباب في ساعات النهار، وأحياناً حتى في أوقات يفترض أن يكون فيها النشاط مرتبطاً بالدراسة أو العمل. هذا المشهد لا يمكن قراءته بشكل سطحي فقط، لأنه مرتبط بظاهرة أعمق وهي البطالة، وضعف الفرص الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية التي يعيشها الشباب.

الشباب المغربي اليوم يواجه واقعاً صعباً، حيث عدد الخريجين في تزايد مستمر، مقابل سوق شغل لا يوفر فرصاً كافية للجميع. هذا الاختلال بين العرض والطلب في سوق العمل يؤدي إلى حالة من الفراغ الاجتماعي والاقتصادي، حيث يجد الكثير من الشباب أنفسهم خارج دائرة الإنتاج.

هذا الفراغ لا يبقى بدون تأثير، بل يتحول تدريجياً إلى أنماط عيش جديدة، من بينها قضاء وقت طويل في المقاهي، التي أصبحت في بعض الحالات فضاءً اجتماعياً بديلاً عن العمل أو الدراسة أو النشاط الاقتصادي. المقهى هنا لم يعد فقط مكاناً للراحة أو اللقاء، بل أحياناً يصبح فضاءً لتمضية الوقت فقط، نتيجة غياب بدائل حقيقية.

في هذا السياق، تظهر أيضاً ظواهر أخرى مرتبطة بالبحث عن الربح السريع، مثل الرهانات الرياضية، خاصة على مباريات كرة القدم. بعض الشباب، تحت ضغط الحاجة أو الإحباط من البطالة، يتجهون إلى هذه الممارسات على أمل تحقيق دخل سريع. الفكرة الأساسية هنا ليست فقط “الرغبة في الربح”، بل الإحساس بأن الفرص التقليدية (العمل، المشاريع، التكوين) صعبة المنال أو بطيئة النتائج.

لكن الواقع الاقتصادي لهذه الرهانات يقوم على الحظ والمخاطرة، وليس على الاستقرار أو ضمان الدخل. وهذا يجعلها في كثير من الحالات مصدراً إضافياً للضغط النفسي والمالي، بدل أن تكون حلاً حقيقياً للبطالة. ومع مرور الوقت، قد تتحول من محاولة للهروب من الواقع إلى جزء من المشكلة نفسها.

من الناحية الاجتماعية، هذا الوضع يعكس شعوراً عاماً لدى بعض الشباب بنوع من التهميش أو غياب الفرص. ليس بالضرورة أن يكون السبب ضعف الإرادة، بل غالباً هو نتيجة تراكمات: تعليم لا يضمن دائماً إدماجاً سريعاً في سوق الشغل، اقتصاد لا ينمو بنفس سرعة عدد السكان النشيطين، وتفاوت في الفرص بين المناطق والفئات الاجتماعية.

في المقابل، يجب التأكيد أن فئة كبيرة من الشباب المغربي لا تعيش هذا المسار فقط، بل هناك أيضاً من اختار طريق آخر: التعلم الذاتي، التكوين المهني، العمل الرقمي، المقاولات الصغيرة، أو البحث عن فرص خارج المسارات التقليدية. هؤلاء يعكسون جانباً آخر من الواقع، حيث يمكن تحويل التحديات إلى فرص رغم الصعوبات.

لكن المشكلة الأساسية تبقى هي “الفراغ الهيكلي” في سوق الشغل. عندما لا يجد الشباب فرصاً كافية، يصبح الوقت غير مستغل بشكل إنتاجي، وتظهر أنماط استهلاك الوقت بدل إنتاج القيمة. وهذا الفراغ إذا لم يتم التعامل معه بسياسات تشغيل فعالة، وتكوين مناسب، ودعم للمبادرات الصغيرة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية سلبية على المدى الطويل.

من الجانب النفسي، البطالة لا تؤثر فقط على الدخل، بل على الإحساس بالقيمة الذاتية. الشاب الذي لا يجد فرصة عمل قد يشعر بالإحباط، الضغط، أو فقدان الاتجاه. وفي غياب الدعم أو التوجيه، قد يلجأ إلى أنشطة تعويضية لملء هذا الفراغ، سواء كانت اجتماعية أو ترفيهية أو حتى محفوفة بالمخاطر.

الحل لا يكمن في اللوم أو التعميم، بل في فهم جذور المشكلة. المطلوب هو خلق منظومة متكاملة: تعليم مرتبط بسوق الشغل، تكوين مهني فعّال، دعم ريادة الأعمال، وتحسين فرص الإدماج الاقتصادي للشباب. كما أن تعزيز الثقافة المالية والتوجيه المهني يمكن أن يساعد الشباب على اتخاذ قرارات أفضل بخصوص مستقبلهم المشهد الذي نراه في المقاهي أو بعض السلوكيات المرتبطة بالرهانات ليس سوى نتيجة لواقع أعمق من البطالة والضغط الاجتماعي والاقتصادي. الشباب ليس المشكلة، بل هو في كثير من الحالات انعكاس لواقع يحتاج إلى حلول بنيوية حقيقية، حتى يتحول من جيل ينتظر الفرص إلى جيل يصنعها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x