لماذا وإلى أين ؟

رسميا.. طعن دستوري في قانون العدول وتحذيرات من مصير مشابه لقانون المحاماة

تقدمت مجموعات من النائبات والنواب البرلمانيين بإحالة رسمية إلى المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقة القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول لأحكام الدستور، وسط مؤشرات قوية على تكرار نفس السيناريو مع مشروع قانون المحاماة ما لم تتدارك الحكومة الهفوات التشريعية داخل مجلس المستشارين، في وقت تشهد فيه الساحة المهنية والتشريعية بالمملكة حالة من الغليان وتوجهاً لدى النقابات بقطاع العدل وقطاعات موازية لتحريك احتجاجات وإضرابات واسعة ضد ما يعتبرونه “محاولة لاحتكار المهن التوثيقية والمساس بالأمن القانوني والقضائي”.

وجاءت هذه الخطوة عبر رسالة مؤرخة في 15 مايو 2026، وقعها برلمانيون ينتمون لفرق نيابية من بينها الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية وفريق الحركة الشعبية، عقب مصادقة البرلمان بمجلسيه على قانون العدول في قراءات متعددة اختتمت في الثامن والعشرين من أبريل الماضي، مستندين في طعنهم إلى خمس ملاحظات عامة تمس بمبادئ دستورية كلية، بالإضافة إلى عيوب خاصة تفصل الخروقات الواردة في ثماني مواد أساسية من القانون.​

وتتمثل الملاحظات العامة التي سجلها النواب في خرق مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية المنصوص عليه في الفصل السادس، نظراً لمنح بعض مقتضيات القانون سلطات تنظيمية وتقديرية واسعة دون تأطير دقيق مما يمس بالأمن القانوني، فضلاً عن المساس بمبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص، لاسيما عبر حصر حق التعامل مع صندوق الإيداع والتدبير ومسك حسابات الودائع على الموثقين دون العدول، وهو ما يمثل تمييزاً غير مبرر بين فئتين مهنيتين تمارسان نفس الوظيفة التوثيقية ويذكي فتيل الاحتقان المهني.

وإلى جانب ذلك، أثارت الإحالة عيب الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة وحق التقاضي المكفول بالفصل 118، بالإضافة إلى خرق مبدأ الأمن القانوني والتعاقدي جراء الغموض والاضطراب التشريعي الذي يزعزع الثقة في الوثيقة العدلية، وتجاوز نطاق القانون للمجال التنظيمي والإحالة المفرطة على نصوص مستقبلية دون ضوابط أساسية.​

وفي تفصيل الملاحظات الخاصة بالمواد، عابت المذكرة على المادة 37 استعمالها عبارة “بدون سبب مشروع” لتحديد مسؤولية العدل عن الامتناع عن العمل، واصفة إياها بالعبارة الفضفاضة والهلامية التي تترك سلطة تقديرية مطلقة للقضاء وتنافي متطلبات الأمن القانوني والقضائي والتوقع التشريعي.

وبخصوص المادة 50، طعن النواب في دستورية الإبقاء على نظام “التلقي الثنائي” الإلزامي للشهادة لدى العدول في المعاملات العقارية والتجارية مع إعفاء مهن توثيقية أخرى منه، معتبرين أن هذا العبء الإجرائي التقليدي يعرقل سرعة المعاملات، ويتنافى مع الرقمنة والحكامة الجيدة ومبادئ جودة المرفق العمومي والمساواة في الولوج إليها وفق الفصول 6 و19 و35 و154 من الدستور.​أما المادة 51 المتعلقة باشتراط الأهلية والحقوق المدنية في الشاهد واكتفاء العدل بإشعاره وتضمين ذلك في العقد، فقد اعتبرها البرلمانيون آلية هشة تفتقر للتحقق القطعي، مما يرهن صحة العقد الرسمي بتصريح شفوي لأجنبي ويمس بالأمن التعاقدي، كما انتقدوا سكوت المادة عن نظام التنافي لأطراف العقد وقراباتهم واقتصارها على العدل، مما يخرق مبادئ الحياد والنزاهة والشفافية المفروضة دستوريًا في المادة 155.

وفي السياق نفسه، طالت الانتقادات المادة 53 التي تبيح تلقي العقود من العاجز عن السمع أو الكلام عبر “الإشارة المفهومة” والاستعانة بـ”كل شخص مؤهل”، حيث وصفت المذكرة هذه التعابير بالذاتية والغموض، مما يعرض ممتلكات وإرادة هذه الفئة الهشة لسوء التأويل والتدليس ويخرق الفصول 06 و21 و34 الحامية لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة.

​وشمل الطعن أيضاً المادة 55 في فقرتها الثانية التي تسمح بالاعتماد على نسخة المستند الورقي في نقل الملكية العقارية شريطة تقديم إشهاد بضياع الأصل، إذ يرى البرلمانيون في ذلك ثغرة خطيرة تُسهّل التدليس والاستعمال المزدوج، وتجافي معايير الجودة والحماية الدستورية لحق الملكية الفردية المنصوص عليها في الفصلين 21 و35. كما سجل النواب قصوراً تشريعياً في المادة 63 التي ألزمت العدل بإجراءات التقييد بالسجلات العقارية دون إقرار آلية تزامن بين أداء الثمن والتقييد أو تمكينه من حفظ الودائع المالية، مما يعرض المشتري لمخاطر “الحجوزات والتقييدات الاحتياطية” الفاصلة ويفرغ حق الملكية من حمايته الفعلية.​

وفيما يتعلق بالمادة 67 التي تشترط في شهود اللفيف ألا يقل عددهم عن 12 شاهداً “ذكوراً وإناثاً”، أبرزت الإحالة أن غموض العبارة يفتح الباب لتأويلات فقهية تمس بمبدأ المساواة والمناصفة بين الجنسين ومكافحة التمييز، فضلاً عن أن فرض هذا العدد الضخم من الشهود يشكل عائقاً مادياً واجتماعياً يمس بالإنصاف المجالي لساكني المناطق النائية والقرى، ويؤدي إلى هدر صارخ للزمن التوثيقي بما يتنافى مع ميثاق المرافق العمومية ومبادئ الجودة الدستورية.​واختتم النواب مذكرتهم بالطعن في المادة 77 التي استعملت لفظ “التظلم” بدلاً من “الطعن” عند رفض قاضي التوثيق الخطاب على العقد، معتبرين هذا الاختيار اللفظي انحرافاً مسطرياً يحرم العدل من آليات قانون المسطرة المدنية وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع والتواجهية وعلنية الجلسات المكفولة بالفصلين 118 و120، مبرزين أن المشرع سكت عن تحديد مآل التظلم وهل الأمر الصادر عن رئيس المحكمة نهائي أم قابل للمراجعة، فضلاً عن حصر حق التظلم في “العدلين” فقط دون أطراف العقد الحقيقيين، مما يمنع المواطنين من الدفاع عن عقود تملُّكهم أو زواجهم ويضرب استقرار الأسرة وحمايتها الدستورية، ملتمسين من القضاة الدستوريين إعلان عدم مطابقة هذه المواد للدستور المغربي.​

وبالموازاة مع جبهة “قانون العدول”، تتجه الأنظار صوب مشروع قانون المحاماة الذي يواجه بدوره مؤشرات طعن مماثلة وعقبات تشريعية وتنظيمية حقيقية، لا سيما مع وجود توجه قوي لدى مجلس المنافسة لرفض بعض مقتضيات المشروع التي قد تمس بقواعد المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، بالإضافة إلى الجدل القانوني الدولي المثار حول المادة التي تمنح الصلاحية للمحامين لممارسة مهنة “الوكيل الرياضي”، وهي مهنة تخضع أصلاً لتنظيم دولي صارم وشروط دقيقة جداً من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) واللجنة الأولمبية الدولية، ما يجعل هذه المادة في مشروع القانون الجديد مواجهة بخرق صريح للالتزامات والاتفاقيات الدولية للمملكة المغربية في هذا المجال.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x