2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
بكين وواشنطن.. التنافس على النفوذ وريادة العالم
مراد علمي
لم يكن اللقاء بين الرئيس الصيني “شي دجين بينغ” والرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مجرد قمة دبلوماسية عادية، فخلف الصور المحكمة والبذخ الرمزي في بكين، كانت تختبئ أجواء من انعدام الثقة العميق بين البلدين. ولم تكن الرسالة الحقيقية لهذا اللقاء التاريخي تكمن في البيانات الرسمية، بل فيما بين السطور ـ وبالأخص في ذلك الأسلوب الذي استخدمه “شي” عن قصد: «فخ ثوقيديدس»، والذي من المؤكد أن مستشاريه الذين درسوا في الغرب ويدركون بدقة العقلية الغربية وتاريخها، قد أوحوا له به.
إن إشارة الرئيس الصيني إلى هذا الفخ علنـا لم يكن أمرا عشوائيا على الإطلاق. ففي الثقافة الصينية، يتم عادة تجنب المواجهات اللفظية مباشرة، وغالبا ما يتم التعبير عن القضايا الشائكة من خلال إيحاءات وصيغ مجازية، أو يتم تجاهلها بالكامل. ولهذا تحديدا، فإن الذكر الصريح لـ «فخ ثوقيديدس» يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية. فلم يكن ذلك استطرادا أكاديميا، بل رسالة واضحة ومباشرة إلى واشنطن.
وقد قام عالم السياسة الأمريكي „كراهام أليسون” Graham Allison” بتعميم هذا المصطلح في بداية العقد الثاني من الألفية. وهو يصف به خطر أن تقوم قوة صاعدة بتحدي قوة عالمية مهيمنة، مما يؤدي إلى الخوف وانعدام الثقة، وفي نهاية المطاف إلى مواجهات عسكرية. واستند أليسون في ذلك إلى المؤرخ الإغريقي ثوقيديدس، الذي حلـل الحرب بين إسبرطة وأثينا. ووفقا لتحليله الدقيق، فإن «صعود أثينا وخوف إسبرطة» هما ما جعلا الحرب أمرا لا مفر منه.
وفي السياق الجيوسياسي الراهن، وهذا ما ينطبق اليوم تماما على العلاقة بين الصين والولايات المتحدة. فالصين عرفت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية اقتصاديا، تكنولوجيا وعسكريا بسرعة مذهلة، بينما تسعى أمريكا إلى الحفاظ على هيمنتها العالمية. وهنا تكمن خطورة التوترات الحالية، وبحسب الطقوس الصينية، فإن إشارة شي دجين بينغ إلى «فخ ثوقيديدس» كانت تحذيرا لا لبس فيه إلى دونالد ترامب. وفحوى الرسالة أن الصين مستعدة، عند الضرورة، للدفاع عن مصالحها الجوهرية دون أي تنازل ـ ولا سيما فيما يتعلق بقضية تايوان. ولا تزال تايوان تمثل أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية بين القوتين، وفي الوقت نفسه النقطة التي يمكن أن تتحول فيها التوترات الدبلوماسية بسرعة إلى تصعيد خطير.
وقد كانت لغة جسد دونالد ترامب خلال الزيارة بأكملها لافتة للنظر. فعندما سأله صحفي غربي بشكل مباشر عما إذا كانت قضية تايوان قد طرحت خلال المحادثات، بدا ترامب مرتبكا على غير عادته. وبالنسبة لرجل سياسة عرف عادة بإظهار الثقة بالنفس والخطاب القوي، بدا الرئيس الأمريكي وكأنه شخص آخر، إضافة إلى ذلك، بدا أن آمال ترامب في تحقيق صفقات اقتصادية كبرى لم تتحقق بعد. فرغم وجود عدد كبير من ممثلي النخبة الاقتصادية الأمريكية ضمن وفده، لم تُعقد أي محادثات مع كبار المسؤولين الصينيين في مجالي الاقتصاد والصناعة. وكان جليا أن بكين لم تكن متحمسة لمنح ترامب نجاحا اقتصاديا استثنائية، والصينيون بصفة عامة يحتفظون بذكرى الإهانة مهما طال الزمن وتعاقبت الأجيال.
ومن الناحية الجيوسياسية أيضا، ظل اللقاء مطبوعا بتوترات كبيرة. فقد كان ترامب يأمل، على ما يبدو، أن يمارس شي دجين بينغ نفوذه على إيران من أجل فتح مضيق هرمز لجميع السفن، فضل شي الصمت ولم يجب، كما تقتضي التقاليد الصينية، لأنه غالبا ما يتم تجنب الحسم في بعض المواقف ما دامت لا تخدم المصالح.
ولذلك، فقد أعطت هذه الزيارة انطباعا أقل عن شراكة ودية، وأكثر عن لقاء مُتقن الإخراج بين مركزين متنافسين على ريادة العالم. كانت المراسم منظمة بدقة، والصور مؤثرة، لكن الدفء السياسي الحقيقي كان شبه غائب، ومن المرجح أن تستمر التوترات بين العالم الحر بقيادة الولايات المتحدة والرأسمالية الشيوعية الصينية على المدى الطويل. فكلا القوتين تطمحان ضمنيا إلى لعب دور القوة العالمية الأولى. غير أن التاريخ يظهر أن وجود مركزين متساويين في القوة داخل النظام الجيوسياسي أمر نادر. وهنا تحديدا تكمن الديناميكية الخطيرة لـ «فخ ثوقيديدس».
ومن يستهين بالصين يرتكب خطأ فادحا. فالثقافة السياسية الصينية تجمع بين الصبر، العزة التاريخية، والصرامة. في هذا السياق، تبدو العودة إلى التاريخ وحدها كافية، كما أنصح بشدة كل من يهتم بالشأن الصيني بقراءة «المسيرة الطويلة» ل “ماو تسي تونغ”، والتي لم يصل فيها إلى المكان المحدد من قبل سوى ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف جندي فقط من أصل ثمانين ألفًا من جنود الجيش الأحمر الشيوعي، إن تاريخ الحزب الشيوعي الصيني يقدم أمثلة عديدة من هذا النوع. فحتى “ماو تسي تونغ” نفسه لم يتردد في إذلال رفيقه السابق” دنغ سياو بينغ”، حين أرسله للعمل في مصنع بجنوب البلاد لتركيب محركات الجرارات. ولا أريد هنا حتى التطرق إلى المصير القاسي الذي تعرض له ابنه “دنغ بوفانغ”. وقد وصف ماو “دنغ سياو بينغ” بأنه «إبرة مغلفة في قطن»، يعني يبدو ناعما من الخارج، لكنه خطير من الداخل. ويوضح هذا الحدث التاريخي مدى القسوة التي كانت تدار بها الصراعات على السلطة حتى داخل القيادة الصينية نفسها.
تقدم الصين في المرحلة الراهنة، خارجيا على الاقل، صورة دولة منضبطة وذات نهج دبلوماسي هادئ، بيد أن الخطاب الموجه إلى الداخل يسير في اتجاه آخر، حيث سنكتشف أن خلف هذا الخطاب تقف دولة تمتلك وعيا تاريخيا قويا وإرادة واضحة لتأكيد قوتها ونفوذها، ولذلك، لم يعد السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كانت هناك توترات بين واشنطن وبكين، بل إن المسألة تتعلق بقدرة القيادتين على توظيف الحكمة الدبلوماسية والمرونة الاستراتيجية في احتواء التوترات البنيوية بينهما، بما يضمن عدم تحول التنافس الطبيعي بين قوتين إلى صراع مفتوح ومواجهة مباشرة ذات نتائج غير محسوبة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.