لماذا وإلى أين ؟

الرد الشّافي على بدعة إلزامية المحامي، قراءة قانونية و دستورية

فوزي السعيدي *
يثير موضوع إلزامية تنصيب المحامي أمام القضاء المغربي نقاشاً قانونياً ودستورياً متجدداً، خاصة في ظل المقتضيات القانونية التي تشترط تقديم مقال موقع من طرف محامٍ تحت طائلة عدم القبول. ويزداد هذا النقاش حدة عندما يتعلق الأمر بفئات اجتماعية هشة أو بمتقاضين يمتلكون تكويناً قانونياً يسمح لهم بمباشرة دعاواهم بأنفسهم، كالأساتذة الجامعيين وموظفي الإدارة القضائية وكذا موظفي الشؤون القانونية ومستشاري الشركات والمقاولات، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى انسجام هذا الإلزام مع المبادئ الدستورية المؤطرة للحق في التقاضي وحرية الولوج إلى العدالة.

لقد كرس الدستور المغربي مبدأ حق التقاضي باعتباره من الحقوق الأساسية المضمونة لجميع الأشخاص، حيث ينص الفصل 118 على أن:

“حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.”

ويفهم من هذا الفصل أن المشرع الدستوري لم يجعل ممارسة هذا الحق رهينة بوساطة مهنية إلزامية، وإنما قرره باعتباره حقاً أصيلاً ومباشراً للأفراد، يقتضي تسهيل ممارسته لا إثقاله بقيود قد تحول دون النفاذ الفعلي إلى القضاء.

كما أن الفصل 120 من الدستور المغربي ينص على أن:

“لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.”

ولا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة إذا كان الولوج الأولي إلى المحكمة ذاته متوقفاً على القدرة المالية على أداء أتعاب الدفاع، خصوصاً في مجتمع يعاني جزء واسع من مواطنيه من الهشاشة الاجتماعية وضعف الإمكانيات الاقتصادية.

ويتعزز هذا التوجه بما يقرره الفصل 121 من الدستور الذي ينص على مجانية التقاضي في الحالات المنصوص عليها قانوناً بالنسبة لمن لا يتوفرون على موارد كافية للتقاضي. قد يقول قائل إن المشرع المغربي استحدث نظام المساعدة القضائية، غير أن الواقع العملي يكشف محدودية نظام المساعدة القضائية، سواء من حيث التعقيد المسطري أو من حيث بطء الإجراءات أو ضعف فعاليته العملية، مما يجعل إلزامية المحامي في العديد من القضايا الإدارية عبئاً قد يؤدي فعلياً إلى حرمان بعض المواطنين من حقهم في التقاضي.

كما أن التبرير المرتبط بالمساعدة القضائية لا يبدو كافياً لتجاوز هذا الإشكال، سواء من الناحية العملية أو الدستورية. فرغم أن المساعدة القضائية تُقدم باعتبارها آلية لضمان ولوج الفئات المعوزة إلى العدالة، فإن واقعها العملي يكشف عن تعقيدات مسطرية وبطء إجرائي يحدان من فعاليتها، فضلاً عن أن المجانية فيها ليست مطلقة؛ إذ إن المستفيد قد يتحمل مصاريفها عند صدور الحكم لصالحـه، طبقاً لمقتضيات المرسوم الملكي رقم 514.65 المتعلق بالمساعدة القضائية، بينما إذا خسر الدعوى فإن أتعاب المحامي تؤدى من خزينة الدولة وفق المادة 41 من قانون المحاماة. وهو ما يكشف أن الحديث عن “مجانية” الولوج إلى العدالة يبقى نسبياً ومحدود الأثر في الواقع العملي.

أضف إلى ذلك أن ملفات المساعدة القضائية تُسند، في كثير من الأحيان، إلى محامين متمرنين أو في بداية مسارهم المهني، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة الدفاع ومستوى الخبرة القانونية المقدمة للمستفيد، خاصة في المنازعات الإدارية والتجارية المعقدة. وفي المقابل، قد يكون المتقاضي أحياناً أكثر اطمئناناً إلى الاستعانة بأحد أقاربه أو معارفه من ذوي التكوين القانوني، ممن تجمعه بهم علاقة ثقة وحرص فعلي على حماية مصالحه، دون مقابل مادي أو بأعباء أقل. ومن ثم، فإن منع هذا النوع من النيابة أو الدفاع الشخصي -لأن حق الدفاع لا يُراد به دائماً إمكانية الاستعانة بمحامٍ بل قد ينصرف لمفهوم آخر وهو مفهوم الدفاع الذاتي، ورغم أن هذا الدفاع (أي الشخصي) يتوفر على الكفاءة والثقة- مقابل فرض تمثيل إلزامي قد لا يحقق دائماً الفعالية المطلوبة، يطرح بدوره إشكالاً حقيقياً على مستوى حرية الاختيار وضمانات المحاكمة العادلة.

وتبرز الإشكالية بوضوح داخل القضاء المتخصص ومنه الإداري، حيث تشترط قواعد المسطرة المدنية، كما تم تعديلها وتطبيقها أمام المحاكم الإدارية، أن يكون المقال الافتتاحي للدعوى موقعاً من طرف محامٍ مقبول للترافع، تحت طائلة عدم القبول. ويثير هذا الشرط تساؤلات دستورية عميقة، لأن الجزاء هنا لا يرتبط بجوهر الحق أو بمشروعية الطلب، بل بشكلية إجرائية قد تمنع المحكمة أصلاً من فحص النزاع.

ويزداد هذا الإشكال حدة عندما نلاحظ وجود نوع من التناقض داخل المنظومة التشريعية نفسها؛ إذ إن المشرع المغربي يعترف، بموجب المادة 31 من قانون المحاماة، بحق بعض الموظفين والممثلين القانونيين للإدارات والمؤسسات العمومية في تمثيل الدولة والدفاع عن مصالحها أمام القضاء دون إلزامهم بالاستعانة بمحامٍ، وهو ما يعني ضمناً إقرار المشرع بإمكانية مباشرة الدفاع القضائي من طرف غير المحامي متى توفرت الكفاءة القانونية اللازمة.

غير أن المشرع يعود، في المقابل، ليفرض إلزامية تنصيب المحامي على نفس الموظف والمواطن العادي حتى عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حقوقه الشخصية ومصالحه الخاصة، وذلك أمام القضاء الإداري بموجب المادة 3 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، وأمام المحاكم التجارية طبقاً للمادة 13 من القانون رقم 53.95 المتعلق بالمحاكم التجارية، فضلاً عن محاكم الاستئناف ومحكمة النقض.

ويثير هذا الوضع تساؤلاً جوهرياً حول مدى انسجام هذه المقتضيات مع المنطق الدستوري نفسه؛ إذ كيف يمكن للمشرع أن يجيز لموظف يمثل الإدارة أن يترافع باسم الدولة ومؤسساتها أمام القضاء، ثم يمنع الشخص ذاته، إن تعلق الأمر بحقوقه الشخصية، من الدفاع عن نفسه إلا بواسطة محامٍ؟ وهو ما يكشف عن نوع من التناقض التشريعي الذي يوحي بأن الغاية أصبحت في بعض الأحيان تكريس إلزامية الوساطة المهنية أكثر من تحقيق متطلبات العدالة الفعلية أو حماية حق الدفاع.

ولا شك أن المدافعين عن إلزامية المحامي يستندون إلى اعتبارات تتعلق بضمان “الولوج المستنير” إلى العدالة، أي حماية المتقاضي من الأخطاء الشكلية والإجرائية التي قد تؤدي إلى ضياع حقوقه، فضلاً عن المساهمة في حسن سير العدالة وتقديم مذكرات قانونية دقيقة تساعد المحكمة في أداء وظيفتها القضائية.

غير أن هذا التبرير، رغم وجاهته النسبية، لا يبدو كافياً لتبرير التوسع في الإلزام بشكل مطلق، خاصة عندما يشمل مثلاً:

قضايا بسيطة.

منازعات ذات قيمة محدودة.

متقاضين ذوي تكوين قانوني.

موظفين وقضاة سابقين وأساتذة قانون يمتلكون القدرة القانونية والتقنية على تحرير المقالات وتتبع الإجراءات.

فإذا كان الهدف هو تفادي الأخطاء الشكلية، فإن المنطق الدستوري يقتضي أن يكون العلاج في تبسيط المساطر، وتعزيز الإرشاد القضائي، وتمكين القاضي من تصحيح العيوب الشكلية القابلة للتدارك، وتطوير النماذج الرقمية الموحدة، لا في فرض وساطة إجبارية قد تتحول إلى حاجز مالي وشكلي أمام المواطن.

ثم إن الحق في الدفاع لا يعني فقط الحق في الاستعانة بمحامٍ، بل يشمل أيضاً حرية الشخص في اختيار طريقة الدفاع عن مصالحه، ما دام كامل الأهلية القانونية. ومن ثم فإن إلزامية المحامي تمس، بصورة غير مباشرة، بحرية الاختيار؛ لأنها تحول حق الاستعانة بمحامٍ إلى التزام قانوني مفروض حتى على من لا يرغب فيه أو لا يستطيع تحمله.

كما أن مبدأ التناسب، باعتباره من المبادئ الدستورية المؤطرة لتقييد الحقوق والحريات، يفرض ألا تتجاوز القيود المفروضة على حق التقاضي الحدود الضرورية لتحقيق الغاية المرجوة. وبالتالي فإن فرض المحامي في جميع المنازعات -إن وجد- دون تمييز بين طبيعتها أو قيمتها أو وضعية أطرافها، قد يُعد تقييداً غير متناسب مع الهدف المعلن منه.

إن العدالة في الدولة الدستورية لا تقاس فقط بجودة الأحكام، بل أيضاً بمدى سهولة الوصول إلى القضاء. فحين يصبح النفاذ إلى المحكمة رهيناً بإجراءات مكلفة أو معقدة، يتحول الحق الدستوري من حق فعلي إلى مجرد ضمان نظري.

ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين جودة الدفاع وضمان الحق في التقاضي يقتضي اعتماد مقاربة أكثر مرونة، تقوم على:

حصر إلزامية المحامي في القضايا المعقدة أو أمام درجات قضائية معينة.

وتوسيع نطاق التقاضي الشخصي في المنازعات البسيطة.

وتعزيز المساعدة القضائية الفعلية.

وتبسيط الإجراءات الإدارية والقضائية.

وبذلك فقط يمكن التوفيق بين متطلبات حسن سير العدالة وبين الفلسفة الدستورية التي تجعل من القضاء خدمة عمومية مفتوحة أمام الجميع، لا امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية أو بالوساطة المهنية الإجبارية.

*باحث في الشؤون القانونية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x