2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
إدريس بنيعقوب
في زمن تتكاثف فيه غيوم حول الحق لتحجبه ويختلط فيه الظل والوهم بالحقيقة، يفترض أن ينهض كل ضمير حي ليعلن تضامنه مع رجل لم يكن يوما مجرد اسم في سجل الصحافة، بل كان نبضا صادقا قادما من أقاصي الهامش، وكان له ما له وعليه ما عليه، لكن الصداقة تفرض علينا أن نتقبل أصدقائنا كما هم وليس كما نريد، خصوصا عندما نتقاسم معهم أزمة مرة كالعلقم ومعاناة الأيام ولحظات فرح وسعادة. محمد اليوبي.. ذلك المناضل الذي خرج من رحم التهميش ليحمل همومه إلى محراب الصحافة، ويجعل من كلمته سيفا لا ينكسر، ومن مواقفه درعا لا يثقب، وكم من ملفات كان له الفضل في كشف اختلالاتها بل و خروقاتها الجسيمة.
عرفته رجلا شهما، صاخبا في دفاعه عن الحق، لكنه حسن النية مخلص في تعامله مع أصدقائه ورفاقه. لم يكن صوته مجرد ضجيج، بل كان صرخة واعية تنبع من قلب يرفض الظلم ويأبى المساومة، ويعبر عن مغاربة الهامش وما يتعرضون له من ظلم وقساوة. إنني هنا لا أقدسه أو أنزهه عن الخطأ البشري الناجم عن حسن نية، وجل من لا يخطئ، لكن الحدس والمعاملة عن قرب مع هذا الرجل تجعلني أقول أنه بريئ، وعلى الجسم الصحفي أن يكون في مستوى هذه اللحظات والمواقف بدل الانزواء بعيدا عن الوعي المهني و عن الوعي بالانتماء لمهنة صاحبة الجلالة.
اليوبي، كما أعرفه كان ولا يزال صحفيا ذا مواقف واضحة، وطنيا وفيا محبا لبلده ولثوابتها، مخلصا للمخلصين، وفيا لمن وقفوا معه في الشدة، صادقا في صداقته كما كان جريئا في كتاباته.
واليوم، إذ يقف خلف القضبان في قضية تكتنفها الغموض واللبس، نرفع أصواتنا عاليا لنؤكد مبدأ لا يقبل الجدل في أي دولة تحترم القانون، المتهم بريء حتى تتم إدانته بشكل نهائي أمام أعلى محكمة في البلد. فالقضية التي يواجهها ليست واضحة المعالم، ولا قاطعة الدليل، بل تحيط بها الشبهات والتساؤلات التي تستوجب معالجة نزيهة، لا تخضع لأي ضغط أو توجيه.
إننا لا ندافع عن شخص بعينه فحسب، بل ندافع عن مبدأ العدالة ذاته. ندافع عن حق كل صحفي في أن يمارس مهنته بحرية، وأن يحمل مواقفه دون أن يحسب ذلك جريمة. وندافع عن حق كل مواطن في أن يعامل وفق القانون، لا وفق الشبهات أو الروايات الجاهزة، خصوصا أنه ليست لدينا اي تفاصيل أو محاضر مسطرية أو قضائية دقيقة حول الموضوع، وأننا تأكدنا من مسألة واحدة وهي أن المشتكي قد وضع تنازلا في يوم الواقعة عن شكايته، ربما بعدما فطن وندم على فعل متسرع نابع من رغبة في رد الاعتبار والانتقام ليس إلا، وهي مسألة من صميم الفطرة البشرية لكن تنازله السريع يؤكد وجود سوء فهم كبير، و خطأ في التقدير لم تحسب عواقبه من قبل بشكل واعي وسليم.
محمد اليوبي.. أنت لست وحدك في هذه المحنة، هناك قلوب كثيرة تنبض معك وتتحسر. أنت الذي جئت من الهامش مثل معظم صحفيي الرباط، لتسمع للمغرب كله صوت الهامش بشكل هادر، و بقيت وفيا لأسلوبك حتى في أحلك الظروف. أؤازرك، وأتضامن معك، على أمل المحاكمة العادلة التي ستتعامل مع القضية بشكل منصف و مهني. فليكن هذا التضامن صوتا يصدح عاليا: محمد اليوبي.. البراءة هي الأصل، والعدالة وعد لا يخلف ولو بعد حين.