2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أصدر مجلس المنافسة رأياً شاملاً تضمن توصيات هيكلية وإصلاحية رامية إلى تحديث سوق الخدمات القانونية وتكريس التنافسية وتكافؤ الفرص في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، وذلك استجابة لطلب إبداء الرأي المرفوع إليه من قبل الفيدرالية الديمقراطية للشغل.
ودعا المجلس في رأيه الذي حصلت “آشكاين” على نسخة منه، إلى تجاوز التعديلات التقنية نحو صياغة نموذج اقتصادي حديث يستوعب المتطلبات المتزايدة للعدالة، ويوازن بين صون استقلالية المهنة والانفتاح الاقتصادي لرفع جودة الخدمات، مقسماً مقترحاته إلى تدابير آنية ذات أولوية وأخرى هيكلية ذات بعد استراتيجي.
وفي سياق التدابير المرتبطة بالولوج إلى المهنة وتجديد النسيج المهني، أوصى المجلس بإرساء آلية منتظمة ودورية لولوج معهد التكوين عبر برمجة مباريات سنوية تضمن استمرارية تجديد المهنة وملاءمة المخرجات مع الحاجيات الفعلية للسوق، بدلاً من المقاربة الحالية التي تعتمد امتحاناً تاهيلياً كل ثلاث سنوات في المتوسط.
وشدد التقرير على ضرورة إخراج منظومة الولوج من منطق الندرة أو التسقيف العددي الفعلي للممارسين، داعياً إلى إلغاء سقف السن الأقصى المحدد حالياً في 45 سنة تماشياً مع التجارب الدولية المقارنة كفرنسا وألمانيا وإيطاليا لفتح المجال أمام كفاءات متنوعة الخبرات. كما حث المجلس على اعتماد آليات مرنة لاستقطاب الخبرات الميدانية النوعية من أطر الإدارات العمومية وموظفي هيئة الضبط والمستشارين القانونيين في المقاولات عبر نظام إعفاء جزئي من بعض شروط الولوج مع اختبار الكفاءات والالتزام بالتفرغ التام.
وعلى الصعيد التنظيمي والمالي، اقترح المجلس إقرار مراجعة شاملة لواجبات الانخراط في مهنة المحاماة وتوحيدها ضمن سقف وطني مرجعي يتماشى مع التكاليف الفعلية للتسيير الإداري للهيئات، وذلك لتفادي تحول هذه الرسوم إلى عائق مالي غير مبرر يحد من ولوج المؤهلين ويقوض مساعي تيسير التمرين لفائدة الممارسين الشباب. وفيما يخص نطاق الاختصاص والممارسة، حث التقرير على إعادة صياغة المادة 33 من مشروع القانون لرفع الغموض ومنع أي تأويل يضيق من تدخل المحامي في مجال تحرير العقود، مع الدعوة إلى مراجعة وتوضيح الحدود الفاصلة لنشاط المحامي كوكيل للمهن الرياضية أو في مجالات الوساطة والتفاوض والتدبير التعاقدي لضمان الشفافية ومنع خلط الأدوار بين الفاعلين.
أما على مستوى العلاقة مع الموكلين وتكريس اليقين المالي، فقد تضمن الرأي مقترحات مفصلة لإرساء شفافية الأتعاب عبر وضع وزارة العدل لشبكة استرشادية تحدد نطاق الأتعاب حسب طبيعة الملف دون فرض تسقيف إجباري، موازاة مع تطوير منصة رقمية مرجعية تتيح للمتقاضين إدخال معطيات قضاياهم لتقدير التكاليف العامة مسبقاً. وشجع المجلس على اعتماد اتفاق مسبق ومكتوب يوضح تفاصيل احتساب الأتعاب ومراحل أدائها للحد من الغموض، مع إلزامية إرساء نظام الفوترة المفصلة التي توضح طبيعة الخدمات المقدمة وكلفة كل منها لتمكين الموكل من التحقق الفعلي من الخدمة المؤداة، بالإضافة إلى إحداث لجان متخصصة داخل الهيئات لتسوية منازعات الأتعاب بشكل ودي وسريع.
وفي إطار تعزيز التوازن المجالي وتحديث البنيات التنظيمية، اقترح المجلس إحداث نظام تحفيزي ضريبي واجتماعي (منحة التوطين المهني) لفائدة المحامين الشباب الذين يقل مسارهم المهني عن خمس سنوات ويختارون ممارسة أنشطتهم في الأقاليم والعمالات التي تعاني من خصاص في الكثافة المهنية. كما حث على تيسير الانتقال من الممارسة التقليدية الفردية نحو صياغة إطار قانوني وتنظيمي مرن يسمح بإحداث مكاتب متعددة الاختصاصات تدمج المحامين مع خبراء المحاسبة ومستشاري الضرائب، تماشياً مع النماذج الدولية كالتجربتين الفرنسية والإسبانية، بهدف تقديم عرض مهني مندمج يستجيب لمتطلبات المستثمرين ويعزز القدرة التنافسية للشركات الوطنية.
وفي مواكبة التحول الرقمي والتواصل المهني، دعا المجلس إلى تبني نموذج مرن يتيح للمحامين الحضور الرقمي والتعريف الموضوعي بتخصصاتهم وخبراتهم عبر المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، مع صياغة ميثاق أخلاقي رقمي يمنع استخدام عبارات التفضيل أو المبالغة. واقترح التقرير إحداث لجنة لليقظة الأخلاقية الرقمية تتولى تقديم الآراء الاستشارية للمحامين ومراقبة المحتوى الرقمي والإشهاري لضمان ملاءمته لأخلاقيات المهنة، مع تشجيع الشراكات التكنولوجية لتطوير حلول رقمية لتدبير الملفات وتسهيل التتبع الإلكتروني.
واختتم مجلس المنافسة رأيه بالتركيز على إصلاح حكامة المساعدة القضائية، منتقداً التحديات البنيوية الحالية المتمثلة في غياب التوزيع الآلي والتناوبي للملفات مما يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص وتمركز القضايا لدى مكاتب معينة دون غيرها، فضلاً عن الآثار الاقتصادية السلبية التي تمكن بعض المكاتب من عوائد مالية عمومية غير متوازنة توظف كرافعة لخفض أتعابها في القضايا التجارية الأخرى.
وأوصى المجلس بتجاوز منظومة الإسناد المباشر عبر وضع معايير موضوعية وموحدة للإسناد واعتماد منصة رقمية تؤمن التوزيع الآلي والتناوبي للملفات، بما يحقق الكفاءة الإدارية للمرفق، ويضمن حرية اختيار المتقاضي، ويكرس القواعد العادلة للمنافسة والتنظيم الذاتي للمهنة.