2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
من ناخب الولاء إلى ناخب المحاسبة: كيف يصبح صوت المواطن سلطة للتغيير؟
رضوان الرياش*
تطرح الانتخابات في المغرب، أكثر من أي وقت مضى، سؤالا يتجاوز الأحزاب والمرشحين والقوانين الانتخابية إلى الفاعل الذي يمنح العملية كلها معناها وشرعيتها: الناخب. فمن يمتلك ورقة التصويت يمتلك، من حيث المبدأ، سلطة الاختيار والتجديد والاستمرار والعقاب، لكن هذه السلطة لا تصبح فعلية إلا عندما يدرك المواطن أن صوته ليس مجاملة لعائلة، ولا وفاء لشخص، ولا مقابلا لمنفعة، ولا استجابة لضغط اجتماعي أو محلي، وإنما قرار سياسي يحدد من سيدبر جزءا من مستقبله ومستقبل أبنائه.
ومن هنا فإن أحد أكبر رهانات الانتخابات المقبلة ليس فقط ضمان نزاهة الاقتراع، وإنما بناء ناخب واع بسلطة صوته، قادر على الانتقال من الولاء إلى الاختيار، ومن الاختيار إلى المحاسبة، ومن المحاسبة إلى التغيير.
أولا: سلطة الناخب… من ورقة توضع في الصندوق إلى قرار في مستقبل المجتمع
يختزل البعض دور الناخب في لحظة قصيرة يدخل خلالها إلى مكتب التصويت ويضع ورقة في صندوق الاقتراع، بينما الحقيقة أن تلك اللحظة تمثل جوهر الديمقراطية كلها. فالناخب هو الذي يمنح الشرعية لمن يحكم، وهو الذي يستطيع سحبها منه عند انتهاء الولاية إذا لم يف بالتزاماته.
وهنا ينبغي إعادة بناء مفهوم التصويت في الوعي الجماعي المغربي. فالصوت الانتخابي ليس مجرد حق يمكن استعماله أو تركه، بل هو سلطة سياسية فردية يمتلكها المواطن بشكل متساو مع غيره. في تلك اللحظة يصبح صوت المواطن البسيط مساويا لصوت صاحب المال والنفوذ والسلطة.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يمارس الناخب هذه السلطة باعتباره مواطنا، وإنما باعتباره عضوا في عائلة أو قبيلة أو شبكة مصالح أو دائرة من العلاقات الشخصية.
ففي بعض المجالات، ما يزال السؤال المطروح عند اختيار المرشح هو: من يكون؟ من أي عائلة؟ من يعرف؟ ماذا قدم لي شخصيا؟ بدلا من السؤال: ماذا يقترح؟ ما حصيلته؟ ماذا فعل عندما تحمل المسؤولية؟ وما مدى نزاهته وكفاءته؟
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية شخصية المرشح، فالكفاءة والنزاهة والمصداقية ضرورية. لكن المطلوب هو الانتقال من التصويت للشخص منفصلا عن المشروع، إلى التصويت للشخص باعتباره حاملا لمشروع وبرنامج ومسؤولية سياسية. وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية ينبغي ترسيخه في الثقافة الانتخابية المغربية: العقاب الانتخابي.
فمنح الثقة في انتخابات سابقة لا يعني منحها إلى الأبد. من نجح في التدبير يستحق أن تناقش إمكانية تجديد الثقة فيه، ومن أخفق يجب أن يكون الناخب قادرا على سحبها منه. وبذلك يصبح صندوق الاقتراع مؤسسة للمحاسبة الشعبية، لا مجرد آلية لتجديد النخب نفسها.
ثانيا: من ناخب الشخص والعائلة إلى ناخب البرنامج والحصيلة
لا يمكن بناء انتخابات حقيقية دون تغيير السؤال الذي يطرحه المواطن على نفسه قبل التصويت. بدلا من: من أعرف من المرشحين؟ يجب أن يصبح السؤال: ماذا أعرف عن المرشحين وبرامجهم وحصيلتهم؟
وهذا التحول هو جوهر الانتقال من التصويت التقليدي إلى التصويت السياسي الواعي. على الناخب أن يقارن بين البرامج، لا بين الشعارات، وبين الحلول، لا بين الوعود، وبين النتائج، لا بين الخطب. إذا وعد حزب بإحداث مئات الآلاف من فرص الشغل، فمن حق الناخب أن يسأل: كيف؟ وفي أي قطاعات؟ وبأي تمويل؟ وخلال كم سنة؟
وإذا وعد بتحسين الصحة والتعليم، يجب أن يسأل المواطن عن الموارد والآجال والمؤشرات التي ستمكنه بعد خمس سنوات من معرفة ما إذا تحقق الوعد أم لا. وإذا كان الحزب قد شارك في الحكومة أو في تدبير الجماعات والجهات، فلا ينبغي تقييمه فقط بناء على برنامجه الجديد، وإنما على حصيلته السابقة.
وهنا نحتاج إلى تغيير عميق في طريقة إعداد الحملات الانتخابية نفسها. فبدلا من المهرجانات التي يغلب عليها الخطاب العام والصور والشعارات، ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى لحظة للنقاش العمومي الحقيقي. يجب أن نصل إلى وضع يستطيع فيه المواطن قبل دخول مكتب التصويت أن يجيب عن أربعة أسئلة بسيطة: ماذا وعدني هذا الحزب سابقا؟ ماذا أنجز؟ ماذا يقترح الآن؟ ولماذا يستحق صوتي؟
هذه الأسئلة الأربعة كفيلة، إذا أصبحت جزءا من الثقافة الانتخابية، بإحداث تحول عميق في طبيعة المنافسة السياسية. لأن الحزب عندها سيعرف أن البرنامج ليس وثيقة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحملة، وإنما عقد سياسي سيعود إليه الناخب بعد خمس سنوات للمحاسبة.
ثالثا: شراء الأصوات والمال والزبونية… عندما تتحول سلطة الناخب إلى سلعة
لا يمكن الحديث عن حرية الاختيار دون مواجهة إحدى أخطر الظواهر التي تفسد معنى الانتخابات: شراء الأصوات واستعمال المال والمنافع والوساطة للتأثير في إرادة الناخب. فالمال الانتخابي لا يغير فقط نتيجة دائرة انتخابية، وإنما يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والمنتخب. عندما يدفع المرشح مقابلا للحصول على الصوت، تتحول العلاقة من علاقة تمثيل سياسي إلى صفقة: المرشح اشترى والصوت أصبح سلعة.
وهنا تبدأ المشكلة الأكبر بعد الانتخابات. فمن اشترى الوصول إلى المسؤولية قد لا يشعر بأنه مدين للناخب ببرنامج أو حصيلة، لأنه يعتبر أنه أدى ثمن العلاقة مسبقا. وفي المقابل، قد يشعر الناخب الذي باع صوته بأن علاقته بالمنتخب انتهت بانتهاء المقابل الذي حصل عليه. وهكذا تضيع المحاسبة من الطرفين.
لذلك فإن مواجهة شراء الأصوات لا ينبغي أن تكون أمنية وقضائية فقط، رغم ضرورة الصرامة القانونية، وإنما يجب أن تكون أيضا معركة ثقافية ومجتمعية. ينبغي أن يفهم المواطن أن القيمة الحقيقية لصوته ليست ما يمكن أن يحصل عليه في يوم أو أسبوع، وإنما ما ستنتجه خمس سنوات من السياسات العمومية.
قد تكون المنفعة الانتخابية مؤقتة، لكن القرار الذي ينتجه الصوت يمتد سنوات في المدرسة والمستشفى والشغل والنقل والضرائب والأسعار والاستثمار والخدمات العمومية. وهنا يجب أن تلعب المدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني والأحزاب نفسها دورا أساسيا في التربية على المواطنة الانتخابية.
كما ينبغي تشديد مراقبة تمويل الحملات، وضمان شفافية النفقات الانتخابية، وتقوية آليات التبليغ عن المخالفات، وتسريع البحث والبت في الجرائم الانتخابية، لأن العقوبة التي تأتي بعد سنوات تفقد جزءا كبيرا من وظيفتها الردعية. والمطلوب في النهاية هو الانتقال من ثقافة “كم سيعطيني المرشح؟” إلى ثقافة “ماذا سيقدم هذا المشروع لمدينتي وبلدي خلال السنوات المقبلة؟”.
رابعا: نحو انتخابات للمحاسبة والعقاب والتغيير… كيف نصنع الناخب المواطن؟
التغيير الحقيقي يحتاج إلى عمل متزامن على الدولة والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والناخب نفسه:
أولا، نحتاج إلى معلومة انتخابية متاحة للجميع. ينبغي أن يستطيع المواطن الوصول بسهولة إلى البرامج الحزبية في صيغ مبسطة، وأن تتوفر أدوات مستقلة للمقارنة بينها قطاعا بقطاع: التشغيل، الصحة، التعليم، السكن، القدرة الشرائية، الماء، الاستثمار، الحماية الاجتماعية وغيرها.
ثانيا، نحتاج إلى تقييم علني للحصيلة قبل كل انتخابات. فمن غير المعقول أن تبدأ كل حملة وكأن الولاية السابقة لم توجد. ينبغي أن تكون هناك تقارير وأرقام واضحة تقارن بين ما وعدت به الأحزاب وما تحقق فعليا.
ثالثا، ينبغي تطوير المناظرات الانتخابية بين قادة الأحزاب والمرشحين، وطنيا ومحليا، حتى يرى المواطن الاختلاف الحقيقي بين المشاريع ويستطيع الحكم على قدرة كل طرف على الدفاع عن مقترحاته.
رابعا، يجب تعزيز التربية المدنية والسياسية، خاصة لدى الشباب والناخبين لأول مرة، ليس لتوجيههم نحو حزب معين، وإنما لتعليمهم كيف يقرؤون البرنامج، وكيف يتحققون من الوعود، وكيف يميزون بين الاختصاصات الحكومية والجماعية، وكيف يحاسبون المنتخب.
خامسا، لا بد من محاربة حقيقية للمال الانتخابي، ليس فقط بتشديد العقوبات، وإنما بجعل احتمال اكتشاف المخالفة مرتفعا وسريعا. ففعالية القانون لا تقاس بقسوة العقوبة فقط، وإنما بيقين تطبيقها.
وسادسا، ينبغي إعادة الاعتبار إلى المحاسبة الانتخابية باعتبارها جزءا طبيعيا من الديمقراطية. فالتصويت لحزب في انتخابات سابقة لا ينشئ التزاما دائما تجاهه. المواطن حر في تغيير اختياره كلما تغير تقييمه للحصيلة.
وهنا ينبغي أن نصل إلى ثقافة جديدة تقول للمنتخب بوضوح: أعطيتك صوتي لخمس سنوات، ولم أعطك إياه إلى الأبد.
إذا نجحت، يمكن أن أجدد الثقة فيك. وإذا أخفقت، سأصوت لغيرك. وإذا أخللت بالثقة، سأعاقبك انتخابيا.
عندها فقط يصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة مجتمعية، وليس مجرد قاعدة دستورية.
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى ناخب يشارك بكثافة، وإنما إلى ناخب يشارك بوعي. فارتفاع نسبة المشاركة مهم، لكن الأهم هو نوعية القرار الذي ينتجه ذلك التصويت.
والتحول الحقيقي يبدأ عندما ينتقل المواطن من سؤال: “لمن سأصوت؟” إلى أسئلة أكثر عمقا: “لماذا سأصوت له؟ ماذا فعل؟ ماذا يعد؟ هل يستطيع تنفيذ ما يعد به؟ وكيف سأحاسبه بعد ذلك؟”.
إن الانتخابات التي يحتاجها المجتمع المغربي ليست مجرد موعد لتوزيع المقاعد، بل ينبغي أن تكون موعدا للتعبير والمحاسبة والعقاب والتجديد وصناعة الأمل.
فصندوق الاقتراع يجب أن يكون المكان الذي يستطيع فيه المواطن أن يقول لمن أحسن: استمر، ولمن أخفق: غادر، ولمن يقدم بديلا أفضل: تقدم وتحمل المسؤولية.
وعندما يصبح الناخب قادرا على تغيير الحاكم أو المنتخب بسبب حصيلته، وعندما يصبح الحزب خائفا من حكم المواطن عليه أكثر من خوفه من منافسه، وعندما تصبح البرامج والحصائل هي التي تحسم الاختيار بدل المال والعائلة والولاءات الشخصية، نكون قد انتقلنا من مجرد تنظيم الانتخابات إلى بناء ثقافة ديمقراطية انتخابية حقيقية.
فالانتخابات الحقيقية ليست فقط تلك التي يستطيع فيها المواطن أن يضع صوته بحرية في الصندوق، بل تلك التي يملك فيها من المعرفة والوعي والاستقلال ما يجعله يعرف لمن يعطي صوته، ولماذا يعطيه، ومتى يسحبه منه.
وهنا تكمن سلطة الناخب الحقيقية: صوت يمنح الثقة، وصوت يحاسب، وصوت يعاقب، وصوت يغير.
*خبير في السياسات العمومية وعضو المركز المغربي للسياسات العمومية وتدبير الازمات
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها