2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
الدكتور محمد بنقدور*
قفزت الديموغرافيات الوطنية في المغرب، عبر العقود الأخيرة، نحو تحول محوري يجعل الفئات الشابة الكتلة الأثقل وزناً والأكثر تأثيراً على أرض الواقع، لكن هذا الثقل ظل محتجزاً لفترات طويلة في خانة الترقب والنقد الأثيري عبر منصات التعبير الرقمي. واليوم، ونحن على بعد خطوات من الاستحقاق التشريعي لـ 23 شتنبر 2026، لا يعود السؤال مطروحاً حول ما ستقدمه الأحزاب والمؤسسات للشباب، بل عما إذا كان هذا الجيل يملك الجرأة والإرادة لاقتطاع موقعه الطبيعي داخل المؤسسات التشريعية ومراكز صنع القرار.
إن الاستحقاق القادم ليس مجرد محطة تقنية لتوزيع المقاعد النيابية، بل هو اختبار أخلاقي وسياسي لمفهوم المواطنة الفاعلة؛ إذ غدت الحاجة ملحة للقطع مع سلبية العزوف التي طالما استُغلت لتكرار الوجوه والسلوكيات ذاتها. فالرؤية الملكية السامية طالما رسمت خطوط التماس الصريحة حين خاطب جلالة الملك محمد السادس الشباب بالقول: «إنك المجسد لطموح الأمة، والحامل لآمالها في غد أفضل… ومستقبل المغرب هو بأيديكم شبابنا الواعد». هذا النداء ليس مجرد إشادة، بل هو تكليف مباشر يضع الجيل الجديد أمام مرآة مسؤولياته التاريخية لقيادة التغيير من داخل المؤسسات.
ولعل ما يمنح تشريعيات 2026 تميزاً خاصاً هو الانفتاح الإيجابي نحو تحفيز المبادرات الذاتية عبر إتاحة الفرص أمام اللوائح المستقلة وتذليل العقبات المادية والتنظيمية. هذا المنطق ينسجم عميقاً مع الحث الملكي المتواصل للفاعلين السياسيين حين أكد جلالته أن: «يتعين على الأحزاب استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم». إن فتح هذه المنافذ التشريعية يتحدى الفاعل الشبابي بالخروج من ثقافة الشكوى إلى ابتكار برامج تنموية واقعية تمس معيش اليومي للمواطنين وتلبي طموحاتهم.
ولا يقتصر الدور المنشود على يوم الاقتراع، بل يمتد إلى صناعة وعي جماعي يحمي البيئة السياسية؛ فالشباب، بما يملكونه من أدوات تكنولوجية وفهم عميق للتحولات الرقمية، هم خط الدفاع الأول ضد موجات التضليل الإعلامي والشائعات التي تجرف النقاش العمومي نحو الهوامش. إن الانخراط في الملاحظة الانتخابية المستقلة والتعبئة النزيهة يجسدان جوهر المواطنة الحقة كما شدد عليها التوجيه الملكي السامي: «التضحية يجب أن تتجسد في العمل المتواصل من أجل تحقيق التنمية الشاملة، والمواطنة الكريمة لكافة أفراد شعبنا».
إن فرز برلمان يتناسب مع رهان الدولة الاجتماعية والالتزامات الدولية الكبرى كمونديال 2030 لا يتأتى عبر الأماني، بل عبر التواجد الكثيف أمام صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر. قد تكون الحيرة السياسية مشروعة، لكن الانسحاب هزيمة مبكرة؛ والفرصة اليوم قائمة أمام شباب المغرب لتأكيد أنهم ليسوا مجرد مادة للحملات الانتخابية، بل هم المهندسون الحقيقيون لمغرب الغد.
*أستاذ التعليم العالي
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها