تخطي إلى المحتوى
الأحد 11 أكتوبر 2026 ☁️ الرباط 23° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
سبتة… قبلة للمؤمنين الجدد !

سبتة… قبلة للمؤمنين الجدد !

Aa حجم النص

العياشي الفرفار

لحظات فرح مؤقت مكتظة بطقوس تعبدية: السجود، التهليل والتكبير، حولت ساحات سبتة الى قبلة لمؤمنين جدد .
ما وقع في 30 يوليوز يصعب حصره في هجرة جماعية لشباب غاضب بسبب أحلامه، حاملا معه ايديولوجيا للحياة في بعدها المعولم . الامر يتجاوز هجرة تغيير الحدود، الى هجرة تغيير القبلة؛ هجرة نحو قبلة جديدة وبناء تجربة إيمانية جديدة ، قبلة لا تبني وعدها على اليوم الآخر والجنة بعد الصراط و الحساب و اليوم الموعود ، إنما قبلة استبدلت الاجل بالعاجل. مؤمنون جدد يريدون جنة فورية، وربما باقل مجهود وبالكثير من الخطر.
احداث سبتة ليست مجرد حدث لشباب حالم بمستقبل افضل؛ شباب تركوا قبلتهم وأمهاتهم واباءهم وذكرياتهم وحتى فطورهم الصباحي، وانطلقوا مهرولين نحو قبلة جديدة لا يحملون سوى حلم العبور والكثير من تعب الجري فب اتجاه بوابة فتحت حتى لا يلتهم البحر كل العابرين.
لم تكن هجرة الى الله ورسوله، وانما هجرة نحو قبلة الغرب: لمعان الغرب، اغراءات الغرب القديم، وحلم الحياة المبهج.
الوصول الى الجنة ليس متاحا للجميع، وليست في متناول الجميع. انها قبلة محروسة بالاسلاك والعساكر والكاميرات والجدران العالية و الكثير من العنصرية ، وبحر لا يرحم الغرباء .اما الموت فوق اليابسة او جثت طافية على سطح البحر فتخضع عمليات الدفن لتقسيمات اللون .
الانتقال من قبلة الشرق الى قبلة الغرب ليس انتقالا زمنيا بقدر ما هو انتقال وجودي، تقاس فيه مدة السفر بعمق التحول. المسافة الفاصلة بين القبلتين محددة في بحر وقبر!
القبلة الجديدة غير رحيمة كما قبلة الشرق؛ فهي لا تفاوض: اما ان تمنحك الحياة او الموت. انها قبلة بلا قبور، لا تصلى فيها صلاة الجنائز، ولا تقام فيها مراسيم العزاء ولا طقوس الحداد. لا يوجد فيها حارس للمقبرة، وحدها الحيتان قد تحرس جثامين الغرقى.
الموت، حارس ميتافيزيقي بتعبير الفيلسوف المسكيني، يقرر متى تتوقف حركة السير، حتى لو كان السير سباحة. وفي قبلة الغرب يتحول الموت الى شرط ميتافيزيقي يملك سلطة تحديد النهاية، وربما السماح ببداية جديدة.
بقبلة الشرق تبدأ الحياة بعد الموت، والايمان هو استقبال الموت والاستعداد له، وقد يصبح الموت مقدسا حين يقود الى الجنة، ويتحول الجسد الى مجرد جسر للعبور. اما بقبلة الغرب فهناك عقيدة جديدة: الموت من اجل الحياة، والجسد هو الارض الموعودة بالسعادة والرفاهية.
بقبلة الغرب لا يحتاج المؤمنون الجدد الى عقيدة او عمل او فرائض؛ يكفي ان تحمل حلما قديما من اجل حياة اكثر متعة.
قبلة الشرق ثابتة، وقبلة الغرب متحركة. والمؤمن بها، والذي يريد الطواف حولها، عليه ان يشد الرحال اليها ولو سباحة في بحر لا يرحم حتى الاشداء.
الطريق الى القبلة الجديدة كلف مئات الغرقى والاف التائهين الذين فقدوا صلابة الارض من تحت اقدامهم، هل كنا في حاجة الى هذه المأسي حتى نقف على هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في وطننا، وعلى حقيقة أننا امام مجتمع ودولة واقتصاد يسير بسرعتين، بل ان أصحاب السرعة الاولى انفسهم يتسابقون نحو قبلة الغرب.
دافع او دافعان، وربما دوافع كثيرة، تقف وراء هجرة تغيير القبلة. اغلب المؤمنين الجدد بالقبلة الجديدة يقولون انهم ضحايا وعود حكومات متعاقبة، وانهم يوجدون خارج مخططات الحكومة وخارج سقف الدولة الحامي.
يتردد هذا الكلام ويتم تحويله خطأ الى كراهية ضد الوطن، بمجرد ان يجتازوا الحدود ساجدين امام القبلة الجديدة، في سجود انتقال وجودي من الشرق الى الغرب.
سردية قديمة يتم تداولها: انهم مواطنو العراء، لانهم بلا سقف يحميهم، وانهم خارج سقف الدولة الحامي. يتمسكون بسردية انهيار السقف الاخلاقي للدولة والحكومة، فلا يتحدثون عن انفسهم الا كنتيجة، وليس كسبب.
يعتبرون ان شرط الدولة هو حماية المواطن، وان سقوط السقف يقود الى البحر بحثا عن قبلة جديدة وانتماء جديد وهوية جديدة.
فيديوهات صادمة لشباب وقاصرين جعلوا من الكراهية طريقا لعشق اوروبا، والاحتفال المصحوب بالكراهية يكشف اننا امام فرق جوهري بين المهاجر واللاجئ.
من يجعل من معاداة وطنه شرطا للانتماء الجديد، نكون امام مشروع لاجئ وليس أمام مهاجر .
المهاجر يحمل معه ذاكرته وحلمه ورائحة وطنه. يرحل لكي يعود ، وحتى حين يغير المكان ، فهو لا يغير الانتماء والولاء. يهاجر لكي يبني حياة جديدة، دون ان يهدم بيته الاول في داخله.
اما اللاجئ، في المعنى الذي اقصده هنا، فلا يبني سفره على العودة، وانما على الرحيل والنسيان. هو لا يسافر فقط، بل يرحل؛ والمهاجر قد يرحل لكي يعود، بينما اللاجئ يعيش خارج الوطن بلا وطن.
احب المهاجر الذي يعبر الحدود دون ان يغير انتماءه وذاكرته. في بلدتي، حيث قيمنا ساخنة مثل مناخنا، يعود مهاجرو الاقليم الى وطنهم وذكرياتهم بالكثير من الحب والخيرات.
المهاجر السرغيني كائن اصيل، يغامر بحياته ويتعب في غربته على امل اسعاد من ما زالوا يسكنون ذاكرته ووجدانه. وهنا نتحدث عن قيمة المهاجر، واقتصاد المهاجرين، واهمية الهجرة في دعم الاستقرار الاجتماعي وتقوية الروابط. فالمهاجر صلة وصل بين ذاكرته وحلمه، بين وطنه الاول ووطنه الثاني.
اما اللاجئ فلا يخترق الحدود فقط، وانما قد يحولها الى حدود حرب وعداوة بين الدول المتجاورة.
المهاجر لا يتخلى عن هويته، وانما يجعل منها بيتا صالحا للسكن؛ لا يستجدي احدا ولا يقبل بوضعية الشحاذ، بل يصر على ان يكون عنصرا فاعلا، لانه لا يقبل ان يفقد كرامته حين يغادر وطنه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يغير المهاجر عنوانه، لكنه لا يغير قبلته. وقد يعبر البحر، لكنه لا يغرق ذاكرته. قد يبني بيتا في الضفة الاخرى، لكنه يظل يحمل في داخله بيتا اول لا تستطيع الحدود ولا الاسلاك ولا الجدران العالية ان تهدمه.

الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أيضاً في 24 ساعة رئيسة الحكومة.. هل يتغير الأشخاص أم تتغير السياسات؟ ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات