علي او عمو
نحو ثورة في فقه المعرفة القرآني.
شكّل مشروع الدكتور محمد شحرور (1938 – 2019) في قراءة التنزيل الحكيم محاولة راديكالية لكسر القوالب التفسيرية التقليدية، وإعادة بناء المفاهيم بناءً على لسان عربي مبين يتسق مع العلم الحديث والمعاصرة. ومن أبرز ملامح هذه القراءة هي “الهندسة المعرفية للإنسان” التي تتجلى في قوله تعالى: {إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]. في هذه الآية، لا يقدم القرآن وعظاً أخلاقياً مجرداً، بل يؤسس لـ منظومة بيولوجية ومعرفية متكاملة تفرض على الإنسان مسؤولية فردية صارمة.
أولاً: حتمية الوظيفة.. لماذا عُطف الفؤاد على السمع والبصر؟.
في التراث التفسيري، دُمج “الفؤاد” بالقلب العضوي أو العاطفي. لكن القراءة المُعاصرة تنطلق من قاعدة لغوية وبنيوية ذهبية: “عَطفُ الوظيفة على الوظيفة يقتضي أن يكون المعطوف وظيفة حتماً”.
القرآن لم يقل (الأذن والعين والقلب) كأعضاء مادية، بل قال {السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ}. وبما أن السمع هو وظيفة الأذن، والبصر هو وظيفة العين، فإن الفؤاد حتماً هو آلية عمل ووظيفة دماغية، وليس عضواً مستقلاً بذاته. إنه حلقة الوصل الحيوية في الدماغ المسؤول عن معالجة البيانات الحسية وتفسيرها.
ثانياً: الفؤاد كـ “جهاز إدراك وتشخيص” (Perception)
علمياً، تنقل الأذن والعين الإشارات الفيزيائية (أمواج صوتية وضوئية) كـ “مادة خام” إلى الدماغ. هنا يأتي دور “الفؤاد” بمفهومه الشحروري؛ فهو الوظيفة الدماغية الفطرية المسؤولية عن التحديد الفوري لهوية المحسوسات المرئية والمسموعة وعقد الربط الشرطي بين الشيء واسمه.
* الحواس (سمع وبصر): تلتقط الذبذبات والصور بصورة محايدة (مثل الكاميرا).* الفؤاد (الإدراك المشخص): يترجم هذه المدخلات فوراً في الدماغ ويقول لك: “هذا صوت قطار” أو “هذا وجه أمك”.
هذا الفهم يمنح آية {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} بعداً علمياً ونفسياً دقيقاً؛ فالصدمة الحسية المباشرة لرؤية ابنها في اليم جعلت جهاز إدراكها العاطفي يتوقف عن استقبال أي صورة أو صوت في الوجود سوى صورة ابنها، فصار فؤادها فارغاً من أي وعي آخر من حطام الدنيا.
ثالثاً: صيرورة الوعي.. التدرج من المحسوس إلى المجرد
تتكامل هذه المنظومة البيولوجية لتعكس التطور التاريخي والمعرفي للإنسان كما تلخصه آية النحل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ…}. إنها رحلة صعود معرفي حتمي يمر بثلاث مراحل:
1. السمع والبصر: أدوات مادية لجمع البيانات الحيوية من المحيط الخارجي.
2. الفؤاد (المحسوس والمشخص): برنامج الدماغ الفطري الذي ينظم هذه البيانات ويربطها بمسمياتها المادية.
3. القلب (العقل والمجرد): بعد تراكم الخبرات الحسية في “الفؤاد”، يرتقي الدماغ البشري ليتشكل فيه “القلب” (بمعناه الفكري العاقل عند شحرور). والقلب هو المسؤول عن صياغة المفاهيم المجردة والتفكير القيمي والمنطقي (مثل العدالة، الأخلاق، والغيب) بعد أن كان أسيراً للمادة الملموسة.
رابعاً: المسؤولية الفردية الكونية (آلية الحساب)
إن صياغة الآية بصيغة المفرد الشديد للخطاب {ما ليس لكَ به علم} تؤسس لاستقلال عقلي صارم يمنع التبعية الفكرية الأعمى للآخرين.
فـ الفؤاد هو بمثابة “جهاز تسجيل بيولوجي” يشهد على الإنسان يوم القيامة لأنه رصد الحقيقة الواقعية بدقة حية لا تكذب {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}. أما المحاكمة والمسؤولية فيتحملها “القلب” (العقل) الذي يملك حرية الاختيار؛ فإما أن يتسق مع حقائق الفؤاد المشاهدة أو يرفضها عناداً وكبراً.
خامساً: تطبيقات الوعي المجرد (بين الإسلام والإيمان)
بناءً على هذا الارتقاء المعرفي من المحسوس إلى المجرد، يفكك شحرور التفريق الشهير بين “الإسلام” و”الإيمان” عبر مستويات معالجة الدماغ للمجردات:
* الإسلام (مجرّد كوني فِطري): يشمل الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح. ورغم كونها مجردات، إلا أن الإنسان يصل إليها كاستنتاج حتمي من تأمل الواقع المادي المشهود بـ (السمع والبصر والفؤاد). لذا فهو دين الفطرة العالمي المشترك لكل البشر.
* الإيمان (مجرّد توقيفي عقدي): يشمل الغيبيات التفصيلية الخاصة بالرسالة المحمدية (الملائكة، تفاصيل الجنة والنار، الأحكام التعبدية). هذا المستوى يتطلب قفزة فكرية من “القلب” لتصديق النبأ والنص الغيبي دون وجود رصد حسي مباشر له في الواقع.
خاتمة: شكر الوظيفة
إن منظومة المعرفة في فكر الدكتور محمد شحرور تعيد التذكير بأن ختام آيات الحواس بـ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لا يعني الحمد اللساني السلبي، بل يعني تفعيل هذه الأدوات البيولوجية الحتمية واستخدامها في التفكير العلمي والتمحيص الذاتي. فالإنسان كائن مسؤول معرفياً، وتعطيل السمع والبصر والفؤاد لصالح النقل الأعمى هو تفريط في الأمانة الوجودية التي ميزت بني آدم.
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇