تخطي إلى المحتوى
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 🌤️ الرباط 17° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
أفريقيا.. ثروات باطن الأرض، وصناعة المستقبل فوقها

أفريقيا.. ثروات باطن الأرض، وصناعة المستقبل فوقها

Aa حجم النص

د. مراد علمي

لم تعد المعادن مجرد ثروة مدفونة في الأرض، لقد أصبحت جزءا من الجغرافيا الجديدة للقوة، فالعالم الذي ينتقل نحو السيارات الكهربائية، والشبكات الذكية، والبطاريات، والطاقة المتجددة، والصناعات الرقمية، يحتاج إلى النحاس والكوبالت والمنغنيز والليثيوم والغرافيت والنيكل والبلاتين وغيرها. ومع ارتفاع أهمية هذه الموارد، يتغير موقع أفريقيا في الاقتصاد العالمي: ما كان ينظر إليه طويلا باعتباره ثروة خاما أصبح اليوم أحد مفاتيح الصناعة العالمية في العقود المقبلة، وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أفريقيا توفر نحو 75% من المنغنيز العالمي، ونحو 70% من الكوبالت، وحوالي 20% من النحاس، بينما تمتلك احتياطيات كبيرة من موارد أخرى لم تستثمر بالكامل بعد.

لكن التاريخ الاقتصادي لا يكافئ من يملك الثروة وحدها، بل من يعرف كيف يحولها إلى قوة. الفرق بين بلد غني بالمعادن وبلد غني بالصناعة ليس في الأرض، وإنما في المسافة التي يقطعها الخام من المنجم إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق. وكل خطوة إضافية في هذه السلسلة ليست مجرد عملية تقنية، إنها إضافة إلى استقلال القرار الاقتصادي.

والأهم أن أفريقيا لا تحتاج إلى أن تعيد اختراع كل شيء من الصفر حتى تبني اقتصادا صناعيا حديثا. لقد أصبح جزء كبير من المعرفة التي تحتاجها متاحا في العالم ويمكن الوصول إليه عبر الاستثمار والشراكات والتعليم ونقل التكنولوجيا. يمكن شراء الآلات، والتعاقد مع خبراء أجانب، واستقطاب المهندسين، وتأسيس الشركات المشتركة، وإرسال الشباب إلى الجامعات والمصانع العالمية، ثم إعادة هذه الخبرات إلى الداخل. وبعد ذلك تبدأ المرحلة الأهم: تحويل المعرفة المستوردة إلى معرفة محلية، والخبرة الأجنبية إلى خبرة أفريقية، والتكنولوجيا المشتراة إلى قدرة إنتاجية تتطور من جيل إلى آخر، وهنا تحديدا تكمن الفرصة التاريخية: ليس في امتلاك أفريقيا للمعادن وحدها، بل في قدرتها على استخدام هذه المعادن لبناء الإنسان والمؤسسة والصناعة التي ستظل بعد انتهاء استخراجها.

المهم هو ألا تشتري أفريقيا الآلة فقط، بل أن تشتري معها القدرة على تشغيلها وفهمها وتطويرها. يمكن استقدام الخبراء، لكن ينبغي في الوقت نفسه تكوين أجيال جديدة تتعلم منهم. يمكن شراء مصنع، لكن الأفضل أن يتحول المصنع إلى مدرسة صناعية غير معلنة، يخرج منها بعد سنوات مهندسون ومديرون وتقنيون قادرون على بناء المصنع التالي من دون انتظار خبير أجنبي. هكذا يتحول رأس المال الأجنبي من مجرد أداة لاستخراج الثروة إلى وسيلة لتراكم المعرفة داخل القارة.

الفوسفاط المغربي ليس مجرد حجر يستخرج من الأرض. فالمغرب يمتلك نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة للفوسفاط، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، لكن القيمة الحقيقية تكمن في ما بني حول هذه الثروة: الاستخراج، والمعالجة، والتصنيع، والأسمدة، والبحث العلمي، واللوجستيك والأسواق الدولية. وهنا تكمن الفكرة الأعمق: الثروة الطبيعية تصبح استراتيجية عندما تتحول إلى منظومة من المعرفة والصناعة والمؤسسات. وهذا هو الفارق بين أن تكون الدولة مالكة لمورد وأن تكون قادرة على بناء قوة اقتصادية حوله، بل إن الفوسفاط يفتح أمام المغرب مجالا أوسع من التعدين نفسه. فالفوسفور عنصر أساسي للحياة والزراعة والأمن الغذائي، وبالتالي فإن قيمة الفوسفاط لا تتوقف عند الأسمدة التي تباع اليوم. كلما ارتبطت هذه الثروة بالبحث في التربة، والزراعة الدقيقة، والمياه، والهندسة الكيميائية، والتكنولوجيا الحيوية، والاقتصاد الدائري، اتسعت دائرة القيمة الممكنة حولها.

هذا هو المنطق الذي يمكن أن تتبناه أفريقيا كلها. ليس مطلوبا أن تتحول كل دولة إلى نسخة من الأخرى، ولا أن تصنع كل دولة كل شيء. قوة القارة يمكن أن تنشأ من التكامل: النحاس في الكونغو الديمقراطية وزامبيا، الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، المنغنيز في جنوب أفريقيا والغابون، البلاتين في جنوب أفريقيا، الغرافيت والليثيوم في عدد من دول القارة، والفوسفاط في المغرب. ثم تأتي الطاقة، والموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والجامعات، والتمويل والأسواق لتربط هذه الموارد في منظومة اقتصادية واحدة.

المعيار الحقيقي لنجاح استغلال الموارد ليس حجم ما يستخرج من باطن الأرض، بل حجم القيمة الاقتصادية والمعرفية التي تستطيع الدول بناءها انطلاقا من هذه الموارد. لذلك يمكن أن تلتقي مصلحة أفريقيا ومصلحة المستثمر عند نقطة واحدة: التصنيع. أفريقيا تريد أن تتجاوز بيع مواردها في صورتها الأولية، والمستثمر يريد أن يرفع قيمة ما يستثمر فيه وأن يبني نشاطا أكثر استقرارا واتساعا. وهنا لا يتعين على أحد أن يضحي بمصلحته لصالح الآخر، فكل خطوة نحو التصنيع يمكن أن تخلق قيمة إضافية للطرفين. فالمستثمر الذي يكتفي باستخراج الخام يبيع المنتوج عند أول حلقة من سلسلة القيمة، أما المستثمر الذي يشارك في تكريره وتحويله وتصنيعه، فإنه يقترب من الحلقات التي تتراكم فيها القيمة وتتنوع فيها فرص الربح والنمو. ومع كل مصنع جديد، وكل مهارة تكتسب، وكل مورد محلي يدخل سلسلة الإنتاج، وكل سوق جديدة تنفتح أمام المنتجات المصنعة، يصبح الاستثمار أكثر رسوخا وأقل اعتمادا على مجرد استخراج المورد.

بهذا المعنى، التصنيع ليس ثمنا تدفعه الشركات مقابل الوصول إلى الموارد الأفريقية، بل فرصة اقتصادية توسع ما يمكن أن تكسبه منها. وحين يصبح للمستثمر مصلحة مباشرة في بناء المصانع، وتطوير المهارات، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع سلاسل الإمداد المحلية، تتحول علاقته بالاقتصاد من علاقة استخراج إلى علاقة نمو: كلما ازدادت القدرة الصناعية من حوله، ازدادت قيمة استثماره نفسه.

حين تصل أفريقيا إلى هذه المرحلة، لن تكون قد اكتشفت ثروتها المعدنية، ستكون قد اكتشفت قيمتها الحقيقية، ولعل أبلغ ما يرمز إلى هذا التحول تلك الخريطة العالمية الجديدة التي بدأت تضع أفريقيا في حجمها الجغرافي الحقيقي، قارة كبرى لا ذلك العملاق الذي كانت الخرائط القديمة، بتشوهاتها البصرية، تجعله يبدو أصغر مما هو عليه. فحتى اللغة كانت أحيانا تحمل في داخلها ميزانا غير معلن للقيمة: ففي المغرب الاستعماري، كان اسم «Le Petit Marocain» — أي «المغربي الصغير» — عنوانا لصحيفة باللغة الفرنسية، وكأن تصغير الاسم يمكن أن يصبح تصغيرا للآخر نفسه، وانتقاصا من حضوره ومكانته، وما تغير اليوم ليس شكل الخريطة وحده، بل موقع أفريقيا في الوعي العالمي: لم تعد القارة مطالبة بأن تثبت أنها كبيرة، إنها تبدأ في رؤية نفسها كما هي بالفعل. حين تعيد أفريقيا اكتشاف حجمها، لا تعيد اكتشاف أرضها وثرواتها فحسب، بل تعيد تعريف موقعها في العالم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في كُتّاب وآراء كيف يطلب من المغربي أن يمارس السياسة؟ ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات