تخطي إلى المحتوى
الخميس 22 أكتوبر 2026 ☁️ الرباط 17° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
حين يتحول التراث من ذاكرة للأمة إلى قيد على تقدمها..

حين يتحول التراث من ذاكرة للأمة إلى قيد على تقدمها..

Aa حجم النص

علي او عمو

لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضة حقيقية ما دام أسيرًا لموروثه الثقافي والفكري، يتعامل معه باعتباره حقيقة مكتملة لا يجوز مساءلتها، أو مرجعية نهائية ينبغي الاحتكام إليها في مختلف شؤون الحياة. فالتقدم لا يتحقق بتكرار أفكار الماضي واستنساخها، وإنما بإعمال العقل، وتحرير الفكر، وفتح أبواب الاجتهاد والإبداع والابتكار.

إن المشكلة ليست في امتلاك تراث ثقافي وديني وتاريخي، فلكل أمة موروثها الذي يشكل جزءًا من هويتها وذاكرتها الجماعية، وإنما في تحويل هذا الموروث إلى سلطة فوق النقد، تُقاس بها الأفكار الجديدة، ويُحاكم على أساسها كل اجتهاد يسعى إلى تجاوز ما استقر في الأذهان عبر القرون.

لقد أصبحت الأصالة، في بعض التصورات التقليدية، ذريعة لرفض التجديد، وكأن التمسك بالماضي يقتضي بالضرورة مقاومة الحاضر والتوجس من المستقبل. والحال أن الأصالة الحقيقية لا تعني الجمود، ولا تقتضي استنساخ تجارب السابقين وأفكارهم، بل تعني القدرة على الاستفادة من الماضي دون الخضوع له، والحفاظ على الهوية دون التضحية بحرية التفكير ومتطلبات التطور.

إن استنساخ الموروث والسير على نهجه دون إخضاعه للنقد والمراجعة يلغي حرية الفكر، ويعطّل الاجتهاد، ويُجهض روح الإبداع والابتكار؛ إذ لا يمكن لعقل يكتفي بتكرار أفكار الماضي أن يصنع مستقبلًا مختلفًا. فالإبداع لا يولد من الخضوع للمألوف، وإنما من التساؤل والبحث والجرأة على مراجعة الأفكار السائدة، مهما طال الزمن الذي استقرّت فيه.

ويبرز هذا الإشكال بصورة أوضح حين يتعلق الأمر بالفكر السلفي الذي يمنح اجتهادات السابقين وتأويلاتهم سلطة واسعة على الحاضر، ويتعامل معها أحيانًا باعتبارها مرجعيات يصعب تجاوزها أو إعادة النظر فيها. فحين يتحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة نهائية، يُحاصر العقل، ويضيق مجال الاختلاف، ويصبح التجديد موضع اتهام بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى المعرفة.

ولا يمكن لأي نهضة علمية أو ثقافية أن تزدهر في بيئة يُنظر فيها إلى التساؤل باعتباره خروجًا عن المألوف، وإلى النقد باعتباره انتقاصًا من الثوابت، وإلى الابتكار باعتباره تهديدًا للهوية. فالعلم يتقدم بالبحث والتجربة وتصحيح الأخطاء، والفكر يتطور بالحوار والنقد، والمجتمعات تنهض عندما تسمح لعقولها بالتفكير الحر، لا عندما تفرض عليها إعادة إنتاج الأفكار ذاتها جيلًا بعد جيل.

وتزداد المعضلة تعقيدًا عندما يتحول التراث الديني والتاريخي إلى المرجعية الوحيدة لتدبير شؤون المجتمع المعاصر، وكأن ما أنتجه الإنسان في سياق تاريخي معين يصلح بالضرورة لكل زمان ومكان. فلكل عصر أسئلته وتحدياته ومعارفه، وما كان استجابة لظروف الماضي لا يمكن اعتباره جوابًا نهائيًا عن جميع مشكلات الحاضر والمستقبل.

إن المجتمعات الحديثة تحتاج إلى اجتهاد متواصل يستفيد من الخبرة الإنسانية، ويحتكم إلى المعرفة العلمية، ويستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. ولا يمكن تحقيق ذلك ما دام العقل خاضعًا لسلطة التأويلات الموروثة، بدل أن يكون قادرًا على فحصها ومناقشتها وتجاوز ما لم يعد متوافقًا مع متطلبات العصر.

ولا يعني نقد التراث الدعوة إلى محو الذاكرة التاريخية أو التنكر للهوية الثقافية والدينية، بل يعني وضع الموروث في مكانه الطبيعي: مصدرًا للفهم والاستلهام، وموضوعًا للدراسة والنقد، لا قيدًا يمنع التفكير أو سلطة تعطل الاجتهاد. فاحترام الماضي لا يقتضي الخضوع له، كما أن الانفتاح على المستقبل لا يعني بالضرورة القطيعة مع الهوية.

إن المعضلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الدفاع عن الموروث غاية في حد ذاته، حتى لو أدى ذلك إلى مقاومة الأفكار الجديدة ورفض المكتسبات العلمية والفكرية الحديثة. عندها يتحول الفكر من أداة لفهم الواقع وتطويره إلى وسيلة لتبرير الجمود، وتتحول الهوية من إطار ثقافي متجدد إلى جدار يفصل المجتمع عن التحولات التي يشهدها العالم.

ولعل المفارقة الكبرى أن بعض المجتمعات لا تزال تستحضر أمجاد ماضيها وتفاخر بإنجازات أسلافها، في الوقت الذي تعاني فيه من ضعف البحث العلمي، وتراجع الابتكار، ومحدودية مساهمتها في إنتاج المعرفة الحديثة. فالأمجاد التاريخية، مهما عظمت، لا تعوّض غياب الإبداع في الحاضر، ولا تمنح أصحابها حق التقدم دون عمل واجتهاد.

إن نهضة الأمم لا تُقاس بمدى تشبثها بماضيها، ولا بكثرة استحضارها لأمجادها التاريخية، وإنما بقدرتها على تطوير التعليم، وتشجيع البحث العلمي، وحماية حرية الفكر، وترسيخ ثقافة النقد، وتحويل المعرفة إلى قوة منتجة. فالأمم التي تمنح العقل حرية السؤال والمراجعة تفتح أمام نفسها آفاق التطور، أما التي تخشى مساءلة موروثها فإنها تخاطر بالبقاء أسيرة إجابات قديمة عن أسئلة جديدة.

إن التقدم الحقيقي يبدأ بتحرير العقل من سلطة التكرار، وإعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه ضرورة حضارية، لا خروجًا عن المألوف. فليس المطلوب أن نتنكر للماضي، وإنما أن نتحرر من الخضوع له، وأن نميز بين ما يمكن أن يغني حاضرنا وما أصبح عائقًا أمام تطورنا.

إن التراث الذي نحتاج إليه هو الذي يفتح أمامنا أبواب المستقبل، لا الذي يغلقها؛ والتراث الذي يستحق الدراسة والاحترام هو الذي نمتلك الشجاعة لفهمه ونقده وإعادة قراءته، لا الذي نحتمي به من أسئلة العصر وتحدياته. فالأمم لا تصنع مستقبلها باستنساخ ماضيها، وإنما بتحرير عقولها، وإطلاق طاقات أبنائها، وجعل الإبداع والاجتهاد أساسًا لكل نهضة حقيقية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في آخر الأخبار الصين تصدر 30 ألف طن من الأمونيا السائلة إلى المغرب… ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات