تخطي إلى المحتوى
الخميس 29 أكتوبر 2026 🌤️ الرباط 24° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
السياسة بين خدمة الوطن واستغفال المواطن: اختلاف في المفهوم وانقلاب في الأولويات

السياسة بين خدمة الوطن واستغفال المواطن: اختلاف في المفهوم وانقلاب في الأولويات

Aa حجم النص

علي أو عمو

تختلف الممارسة السياسية من دولة إلى أخرى، ليس فقط من حيث طبيعة الأنظمة والمؤسسات، بل أيضاً من حيث الأهداف التي يسعى المسؤولون إلى تحقيقها، والكيفية التي ينظرون بها إلى المواطن ومصالحه وحقوقه. ففي الدول الديمقراطية المتقدمة، تمثل السياسة وسيلة لتدبير الشأن العام، وتحقيق التنمية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، بينما تنحرف الممارسة السياسية في بعض الدول المتخلفة عن هذه الغايات، لتتحول إلى أداة لحماية المصالح الشخصية، والحفاظ على المناصب، ومراوغة المواطنين بدل الاستجابة لمطالبهم المشروعة.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل السياسة فنّ إدارة شؤون الوطن وتحقيق تطلعات المواطنين، أم أنها، في نظر بعض ممارسيها، فنّ التعامل مع المواطن بما يجعله يصدّق الوعود، ويتقبل الإخفاقات، ويظل ينتظر التغيير الذي لا يأتي؟.

السياسة في الدول الديمقراطية المتقدمة: خدمة الوطن والمواطن.

تقوم الممارسة السياسية في الدول الديمقراطية المتقدمة على خدمة الصالح العام، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصيانة الحقوق والحريات، وتحسين جودة الخدمات العمومية. فالمسؤول السياسي يتولى تدبير شؤون الدولة في إطار القانون والمؤسسات، ويخضع للمراقبة والمساءلة، وتُقيَّم سياساتُه على أساس ما تُحقِّقه من نتائج، لا على أساس ما يردده من شعارات.

وفي هذه الدول، ترتبط المنافسة السياسية بالبرامج والقدرة على تنفيذ الالتزامات، ويملك المواطن وسائل متعددة لمراقبة أداء المسؤولين، من خلال الانتخابات، وحرية التعبير والإعلام، والرقابة البرلمانية والقضائية، وغيرها من الآليات المؤسسية. كما أن تَداول السلطة يجعل المناصب العامة غير مضمونة لأصحابها، ويمنح المواطنين فرصة محاسبة من لم ينجح في الوفاء بالتزاماته.

ولا يعني ذلك أن الدول الديمقراطية المتقدمة خالية من الفساد أو تضارب المصالح أو سوء التدبير؛ فهذه المشكلات موجودة فيها أيضاً. لكن وجود مؤسسات رقابية وآليات للمحاسبة يتيح كشف التجاوزات ومواجهتها، ويجعل خدمة المصلحة العامة جزءاً أساسياً من قواعد الممارسة الديمقراطية.

وهكذا، فإن قيمة السياسي لا تكمن في قدرته على الاحتفاظ بمنصبه مهما كانت النتائج، بل في كفاءته في تدبير الشأن العام، وفي قدرته على تحويل البرامج إلى إنجازات ملموسة يستفيد منها المجتمع.

السياسة في الدول المتخلفة: كيف يصبح استغفال المواطن غاية؟.

على النقيض من هذا المفهوم، تتخذ الممارسة السياسية في مُعظم الدول المتخلفة منحىً مختلفاً، حين تتقدم المصالح الشخصية والحزبية الضيقة على متطلبات التنمية والمصلحة الوطنية. فبدلاً من أن ينصبّ اهتمام المسؤول على إيجاد حلول لمشكلات البطالة والفقر وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، قد ينصرف إلى كيفية الحفاظ على موقعه السياسي، وتأمين مصالحه، وتجنب المُساءَلة عن إخفاقاته.

وفي ظل هذا المنطق، لا تعود الحِنكة السياسية مرتبطة بالقدرة على التخطيط والإنجاز، بل تصبح مرادفة للقدرة على المناورة، واحتواء الغضب الشعبي، وإيجاد المبررات التي تسمح بتأجيل الاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وكأن النجاح السياسي لم يعد يُقاس بما يحققه المسؤول لبلده، وإنما بقدرته على تدبير العلاقة مع المواطنين بما يضمن استمرار نفوذه، حتى عندما لا تنعكس السياسات المُتَّبعة على حياتهم بالتحسن الذي ينتظرونه.

وهنا يقع الانقلاب في مفهوم السياسة: فبدلاً من أن يبحث المسؤول عن الوسائل التي تجعل البلد أكثر تقدماً والمواطن أكثر أمناً وكرامة، ينشغل بعض المسؤولين بابتكار الأساليب التي تجعل المواطن يتقبَّل الواقع، ويستمر في تصديق الوعود، ولا يُلحّ في المطالبة بحقوقه.

إنها مفارقة مؤلمة حين تصبح القدرة على استغفال المواطن، في حسابات بعض السياسيين، دليلاً على الحنكة، بينما يُهمَّش السؤال الأهم: ماذا تحقق للبلد؟ وماذا تغيّر في حياة المواطنين؟.

الخطاب السياسي: من توعية المواطن إلى تنويمه.

يشكل الخطاب السياسي أداة أساسية في الحياة العامة؛ فمن خلاله تُشرح البرامج، وتُعرض القرارات، وتُناقش المشكلات، ويُطلع المواطن على حقيقة الأوضاع والخيارات المتاحة. غير أن هذا الخطاب قد يتحول، في بعض الممارسات، من وسيلة للتواصل الصادق إلى أداة لتنويم الوعي الشعبي واحتواء المطالب المشروعة.

وتُستخدم في ذلك شعارات برّاقة، ووعود متكررة، وتصريحات تتحدث عن الإصلاح والتنمية ومحاربة الفقر والبطالة، من دون أن تكون النتائج دائماً في مستوى الخطاب المعلن. وكلما اتسعت الهوة بين الوعود والواقع، ظهرت التبريرات، وتعددت الحجج، وأُحيلت المسؤولية على الظروف الاقتصادية أو الأزمات الخارجية أو الحكومات السابقة.

وبهذه الطريقة، قد ينشغل المواطن بمتابعة الوعود الجديدة وتفسير التصريحات المتناقضة، بدلاً من التركيز على تقييم ما أُنجز فعلياً ومساءلة المسؤولين عن التزاماتهم. ويتحول الخطاب السياسي، بدلاً من أن يساعد على تنمية الوعي بالحقوق والواجبات، إلى وسيلة لامتصاص الاستياء وتأجيل المحاسبة.

والأخطر من ذلك أن تُقدَّم الحقوق المشروعة وكأنها امتيازات تمنحها السلطة متى شاءت، لا حقوقاً يضمنها القانون وتترتب على الدولة مسؤولية صيانتها. فالمواطن لا يطلب منّة حين يطالب بتعليم جيد، أو علاج لائق، أو فرصة عمل، أو إدارة تحترم كرامته؛ وإنما يطالب بحقوق ترتبط بكرامته الإنسانية وبالتزامات الدولة تجاهه.

وحين يصبح الخطاب السياسي وسيلة لتبرير الإخفاق بدلاً من الاعتراف به وتصحيحه، فإن المشكلة لا تكمن في الكلمات وحدها، بل في توظيفها لإخفاء الفجوة بين ما يُقال وما يتحقق.

المصلحة الشخصية في مواجهة تنمية الوطن.

إن من أبرز أسباب تعثر التنمية في مُعظم الدول هو سوء ترتيب الأولويات، حين تتقدم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، ويصبح الحفاظ على المناصب والامتيازات أهم من معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

فالتنمية تحتاج إلى تخطيط بعيد المدى، وتدبير رشيد للموارد، وإدارة كفؤة، واستثمار في الإنسان، وتقييم مستمر للسياسات العمومية. أما حين تخضع القرارات لحسابات ضيقة، فقد تُهدر الفرص، وتتراجع الثقة في المؤسسات، وتظل مشكلات المواطنين قائمة رغم تكرار الوعود بمعالجتها.

ولا يكفي أن تتوفر الدولة على موارد طبيعية أو إمكانات اقتصادية وبشرية لتحقيق التقدم؛ إذ يتوقف توظيف هذه الإمكانات أيضاً على جودة المؤسسات، ونزاهة التدبير، ووضوح المسؤوليات، وفعالية المحاسبة.

فما جدوى الثروات إذا لم ينعكس استثمارها على حياة المواطنين؟ وما قيمة البرامج الحكومية إذا لم تُترجم إلى خدمات أفضل وفرص أوسع وآفاق أكثر أملاً؟ وما معنى المسؤولية السياسية إذا كان المسؤول يستفيد من المنصب، بينما يتحمل المواطن وحده تبعات الإخفاق؟.

إن الوطن ليس ملكاً للمسؤولين، والمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، والمال العام ليس مورداً لتلبية المصالح الخاصة. فالمسؤولية السياسية تكليف يقتضي وضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية الضيقة، وتحمل تبعات القرارات، والخضوع للمحاسبة عن النتائج.

المواطن ليس مغفّلاً.

قد تنجح المراوغة السياسية في كسب الوقت، وقد تؤدي الوعود إلى تهدئة الاحتجاجات مؤقتاً، لكن ذلك لا يعني أن المواطن غافل أو عاجز عن إدراك التناقض بين الخطاب والواقع.

فالمواطن الذي ينتظر عملاً يضمن له العيش الكريم، أو مستشفىً يستجيب لحاجاته، أو مدرسة توفر لأبنائه تعليماً جيداً، يستطيع أن يقارن بين ما يسمعه من تصريحات وما يعيشه يومياً. وقد يَصبِر أملاً في تحسن الأوضاع، لكنه لا يتنازل بذلك عن حقه في السؤال والمطالبة والمحاسبة.

إن الصبر ليس غفلة، والثقة ليست تفويضاً مفتوحاً، والوعود لا تعفي المسؤول من تقديم الحساب. كما أن احترام المواطن لا يكون بمطالبته الدائمة بتفهم الصعوبات وتقبُّل التبريرات، وإنما بإطلاعه على الحقائق، وتوضيح القرارات، والاعتراف بالإخفاقات، والعمل على تصحيحها.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي السياسي، وحرية الإعلام، واستقلال المؤسسات الرقابية، ووجود معارضة قادرة على مساءلة الحكومة وتقديم البدائل. فكلما توفرت للمواطن المعلومات والوسائل القانونية والمؤسسية لمراقبة المسؤولين، ازدادت قدرته على التمييز بين الخطاب الذي يسعى إلى إقناعه بالحجج والنتائج، والخطاب الذي يكتفي باستمالته بالوعود والشعارات الفارغة..

ولا يمكن بناء حياة سياسية سليمة على افتراض أن المواطن سيظل يُصدِّق كل ما يُقال له؛ فالثقة الحقيقية تُكتسب بالإنجاز والصدق، ولا تُفرض بالخطب ولا تُصان بالمراوغة.

أي سياسة نريد؟.

إن الاختلاف بين السياسة بوصفها خدمة للوطن والمواطن، والسياسة بوصفها وسيلة لاستغفاله، ليس اختلافاً في المصطلحات، بل اختلافاً في الأولويات والغايات وطبيعة العلاقة بين المسؤول والمجتمع.

ففي الممارسة السياسية القائمة على خدمة الصالح العام، يُنظر إلى المواطن باعتباره صاحب حقوق، وإلى المنصب باعتباره مسؤولية، وإلى الانتخابات باعتبارها تفويضاً يخضع للتقييم والمحاسبة. أما حين تتقدم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، فقد  يتحول المواطن إلى مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، بدلاً من أن يكون الغاية الأساسية للسياسات العمومية وخدمة الصالح العام، وتصبح الوعود أداة لتأجيل المطالب، والمراوغة بديلاً عن الإنجاز.

ولا يمكن لبلد أن يحقق تنمية حقيقية حينما تُختزل السياسة في الحفاظ على المناصب، أو يُقاس نجاح المسؤول بقدرته على تجاوز الأزمات الشخصية والسياسية، لا بقدرته على معالجة مشكلات المجتمع. فالتقدم يحتاج إلى مسؤولين يدركون أن قيمة السلطة تكمن في ما تحققه للناس، لا في ما تمنحه لأصحابها من نفوذ وامتيازات.

إن السياسة التي تستحق هذا الاسم هي التي تجعل خدمة الوطن والمواطن غايتها، وتحترم الحقوق، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجعل النتائج معياراً لتقييم الأداء. أما السياسة التي تقوم على استغفال المواطن وتنويم وعيِه وتغليب المصالح الشخصية، فإنها تفرغ المسؤولية العامة من مضمونها، وتضعف الثقة في المؤسسات، وتعرقل فرص التنمية.

فالأوطان لا تتقدَّم باستغفال شعوبها، ولا تُبنى بكثرة الوعود، ولا تُقاس الحِنكة السياسية بقدرة المسؤول على مراوغة المواطن؛ وإنما تتقدم بكفاءة التدبير، ونزاهة المسؤولية، واحترام الحقوق، وربط السلطة بالنتائج.

والسياسي الذي يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية لا يحتاج إلى تنويم المواطن كي يحافظ على ثقته، لأن الإنجازات تتحدث عنه. أما من يجعل المراوغة وسيلته، والوعود سلاحه، والمصالح الشخصية غايته، فعليه أن يُدرك أن الخطاب، مهما بلغت بَراعتُه، لا يستطيع إلى الأبد أن يحل محل الواقع.

فالمواطن ليس مُغفّلاً، والسياسة ليست فنّ استغفاله، والحِنكة الحقيقية ليست في إقناعه بأن الأمور تسير على ما يرام، بل في العمل على جعلها تسير فعلاً نحو الأفضل..

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في 24 ساعة توقيف صاحب مقاولة إعلامية بطنجة بشبهة التهريب الدولي للمخدرات بواسطة… ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات