علي اعمو*
أثار قرار نقل تدبير التأمين الإجباري عن المرض الخاص بموظفي القطاع العام والمتقاعدين من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، ابتداءً من فاتح فبراير 2027، تساؤلات ومخاوف لدى ملايين المؤمنين، خصوصاً في ظل غياب توضيحات كافية بشأن خلفيات هذا الانتقال وانعكاساته المالية والاجتماعية على المعنيين به.
لسنا بالضرورة ضد توحيد تدبير أنظمة التأمين الصحي أو تحديث مؤسساتها، لكننا نتساءل عن الأسباب الحقيقية التي جعلت الحكومة تختار هذا التوجه، وعن الضمانات التي تقدمها للموظفين والمتقاعدين حتى لا يتحول هذا الإصلاح إلى أعباء مالية إضافية على أجورهم ومعاشاتهم.
مشروع القانون رقم 54.23 الذي قدمته الحكومة وصادق عليه البرلمان بأغلبية 95 صوتاً مقابل 40 معارضاً، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل يتعلق بتغيير المؤسسة المكلفة بتدبير تأمين صحي يستفيد منه عدد كبير من المواطنين. وقد أثار المشروع نقاشاً برلمانياً، كما تقدمت الفرق النيابية بـ83 تعديلاً رفضتها الحكومة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل أُخذت الملاحظات والاعتراضات التي أثيرت خلال مناقشة المشروع بعين الاعتبار؟ وهل اطلع ممثلو الأمة على دراسة مالية واجتماعية كافية توضح نتائج هذا الانتقال وتداعياته المحتملة؟.
العجز المالي.. من المسؤول عن أسبابه؟.
من بين المبررات التي أثيرت لتفسير هذا الانتقال الوضعية المالية الصعبة التي أصبح يعيشها نظام التأمين الصحي الذي تدبره CNOPS.
فوفق المعطيات التي أوردها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في رأيه بشأن مشروع القانون، سجل نظام القطاع العام عجزاً مالياً منذ سنة 2021، بلغ نحو مليار درهم سنة 2025، مع توقع استنفاد احتياطاته في أفق سنة 2028.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا وصل الصندوق إلى هذه الوضعية؟ وما الأسباب التي أدت إلى تراكم هذا العجز؟ وهل يتعلق الأمر بارتفاع تكاليف العلاج والأدوية، وتزايد أعداد المتقاعدين مقارنة بالموظفين النشيطين، أم بضعف الموارد وعدم ملاءمة قواعد الاشتراكات مع تطور النفقات، أم باختلالات في التدبير والحكامة؟.
ومن المعطيات التي تستحق الانتباه أن مساهمة المؤمنين في نظام القطاع العام تبلغ 5 في المائة، موزعة بالتساوي بين الدولة والمؤمن، مع سقف للاشتراكات محدد في 800 درهم شهرياً منذ سنة 2005. وقد اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذا السقف من العوامل المساهمة في الاختلال المالي.
لكننا لا نستطيع الاكتفاء بهذه التفسيرات دون مساءلة الجهات المسؤولة عن تدبير الصندوق ومراقبته. فمن حق المؤمنين معرفة كيف تراكم العجز، وما الإجراءات التي اتخذت لمعالجته، وهل تمت محاسبة المسؤولين عن أي اختلالات ثبتت في التدبير؟.
وهل CNSS بمنأى عن الاختلالات؟.
إذا كانت CNOPS تعاني من عجز مالي واختلالات تستدعي الإصلاح، فهل يعني ذلك أن CNSS مؤسسة خالية من الاختلالات الإدارية والمالية، وأن نقل التدبير إليها سيضمن تلقائياً حسن التسيير؟.
صحيح أن نظام التأمين الخاص بأجراء القطاع الخاص، الذي تدبره CNSS، يحقق فائضاً مالياً، وتتوفر لديه احتياطيات مهمة، لكن هذا النظام يختلف في بنيته ومصادر تمويله وتركيبته الديمغرافية عن نظام موظفي القطاع العام.
كما أن وجود فائض مالي في نظام معين لا يشكل وحده دليلاً على خلو المؤسسة التي تدبره من أوجه القصور أو سوء التدبير.
وهنا تبرز مسألة المراقبة والمحاسبة. فالصندوقان يخضعان لأطر رقابية مؤسساتية، من بينها هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والمجلس الأعلى للحسابات، وإن اختلفت طبيعة اختصاصات هذه الجهات.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل ملاحظات واختلالات في حكامة CNOPS خلال الفترة التي تناولها تقريره عن سنوات سابقة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل كانت المراقبة كافية وفعالة؟ وهل تمت معالجة الاختلالات المسجلة ومساءلة المسؤولين عنها؟.
وإذا كانت المؤسسة الجديدة ستتولى تدبير النظامين، فما الضمانات التي تحول دون انتقال الاختلالات نفسها إليها؟ وهل ستُعزز آليات الافتحاص والمراقبة والمحاسبة، أم سنكتفي بتغيير الجهة المدبرة دون معالجة الأسباب الحقيقية للمشاكل؟.
ماذا سيستفيد المؤمن من هذا الانتقال؟.
هذا هو السؤال الذي يهم الموظف والمتقاعد بالدرجة الأولى.
فالمؤمن لا يعنيه كثيراً اسم المؤسسة التي ستدبر ملفه الصحي بقدر ما يعنيه الحفاظ على حقوقه وتحسين الخدمات التي يحصل عليها.
هل ستظل نسب الاقتطاع من أجور الموظفين ومعاشات المتقاعدين كما هي؟ وهل ستبقى التعويضات عن الأدوية والفحوصات والعلاجات والاستشفاء دون تغيير؟ وهل ستتحسن آجال معالجة ملفات المرض والتعويضات؟ وهل ستصبح الخدمات الصحية أكثر سهولة وفعالية؟.
لقد أكد المسؤولون أن الأمر يتعلق بتوحيد جهة التدبير، وليس بدمج الأنظمة التأمينية ومواردها المالية بصورة تلقائية. غير أن هذا التوضيح لا يعفي الحكومة من تقديم ضمانات دقيقة ومكتوبة بشأن مستقبل الاشتراكات والتعويضات وحقوق المؤمنين.
ويزداد هذا التخوف أهمية في ظل توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دعا إلى إنجاز دراسة اكتوارية شاملة تمتد إلى عشرين سنة على الأقل، وإلى مراجعة بعض قواعد الاشتراكات والتعريفة المرجعية للعلاجات لضمان استدامة الأنظمة.
وهذا يطرح تساؤلاً إضافياً: هل يمكن أن تترتب عن مراجعة قواعد التمويل زيادات في مساهمات الموظفين والمتقاعدين؟ وإذا كان الأمر وارداً، فلماذا لا توضح الحكومة ذلك مسبقاً وبكل شفافية؟.
الإصلاح لا يكون بنقل الاختلالات من مؤسسة إلى أخرى.
إن توحيد تدبير التأمين الصحي قد يشكل فرصة لتحديث المنظومة وتحسين أدائها، لكنه لن يحقق أهدافه بمجرد نقل الاختصاصات والملفات من CNOPS إلى CNSS.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتحديد أسباب العجز، وتقييم أداء المؤسستين، والكشف عن نتائج المراقبة والافتحاص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان عدم تحميل المؤمنين تبعات اختلالات لم يكونوا مسؤولين عنها.
ومن حق الموظفين والمتقاعدين أن يعرفوا لماذا اتخذ هذا القرار، وعلى أي دراسات ومعطيات استندت الحكومة، وما الجدوى المنتظرة منه، ومن يتحمل المسؤولية عن نتائجه.
كما أن من حقهم المطالبة بنشر دراسة مقارنة بين النظامين، توضح الوضعية المالية لكل منهما، ومصادر تمويله، ونسب الاشتراكات والتعويضات، والضمانات التي ستظل قائمة بعد الانتقال.
لسنا ضد إصلاح منظومة التأمين ٨الصحي، لكننا لا نستطيع الاطمئنان إلى إجراء لا تزال ٨تفاصيله وانعكاساته غير واضحة بما يكفي للمعنيين به.
فلا يكفي أن تتغير المؤسسة حتى تتغير النتائج، ولا يكفي أن تتحدث الحكومة عن تحسين الحكامة والاستدامة المالية حتى يطمئن المؤمنون على حقوقهم.
إن أموال التأمين الصحي ليست امتيازاً تمنحه المؤسسات للمواطنين، بل هي مساهمات تُقتطع من أجورهم ومعاشاتهم، ومن حقهم أن يعرفوا كيف تُدبّر وأين تُصرف، وأن يطمئنوا إلى أن إصلاح المنظومة لن يكون على حساب قدرتهم المعيشية وحقهم في العلاج.
الشفافية أولاً، والمراقبة والمحاسبة ضرورة، وحماية حقوق المؤمنين يجب أن تظل المعيار الأساسي لأي إصلاح.
*كاتب من المغرب
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.



















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇