لماذا وإلى أين ؟

البوليساريو.. تنكرت للتاريخ وحقائق الجغرافيا تحاصرها

طالع السعود الأطلسي
وجّهت جماعة “البوليساريو” الانفصالية، المناهضة للحقوق الوطنية المغربية في الصحراء المغربية، رسالةً وقَّعها كبيرُها إبراهيم غالي إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش، تشكو فيها من تضامنٍ دولي عارم ونوعي مع المغرب، بعد هجماتها بمقذوفات على مدينة “السمارة” المغربية.

وفي الرسالة إقرارٌ واضحٌ من الجماعة الانفصالية بأنها خرقت وقف إطلاق النار، وأنها متشبثة بسرديتها حول تقرير المصير والاستقلال، وسعت إلى التشويش على المَسعى الدوْلي لبحث حلٍّ نهائي للنزاع حول الصحراء المغربية، والذي يؤطره قرار مجلس الأمن 2797، وتقود خطوات تنفيذه الإدارة الأمريكية. وبذلك، تضع “الجماعة” نفسها في مواجهة مباشرة، ديبلوماسية، مع الإدارة الأمريكية، ومع إسبانيا، ومع عدة دول عربية (خاصة خليجية)، ودول أوروبية أخرى، ومنظمات دولية. هذا فضلاً عن أن تلك الدول والمنظمات هي أصلاً، وبالفصاحة السياسية الكاملة، ضمن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة المعبرة عن اقتناعها بشرعية الحق الوحدوي الوطني المغربي، أو أقَلاًّ، المُقِرَّة بصوابية مُقترح الحكم الذاتي الّذي بادر به المغرب للحلِّ السلمي، الواقعي، العادل والدائم لنزاعٍ أكلَ، دون جدوى، نصف قرن من حياة وهمٍ انفصالي عبثي.

تؤَرِّخ الجماعة الواهمةُ لتشكُّلها بيوم 10 ماي 1973، وقد كان التأسيس في مؤتمر “الزويرات” بموريتانيا يوم 28 أبريل 1973، واتُّفق على الربط بين إعلان التأسيس وبين أول عملية عسكرية قامت بها ضد الجيش الاستعماري الإسباني. غير أن الهوية الانفصالية للبوليساريو ليس ذلك هو تاريخ تشكلها؛ ففي ماي 1973 تأسست البوليساريو من أجل تحرير الأقاليم الصحراوية المغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، وبقرار وطني مستقل لحوالي 23 من الشباب الصحراوي المغربي، ضمنهم الوالي الركيبي، عبد العزيز المراكشي، إبراهيم غالي، البشير الدخيل، عمر الحضرمي، وآخرون.

أولئك الشباب درس أكثرهم، بدعمٍ ورعايةٍ من جيش التحرير المغربي في الجنوب، بالمعهد الإسلامي بمدينة تارودانت (جنوب أكادير)، وفي مجموعة مدارس محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط (وكان مديرها السيد عثمان جوريو من كبار الوطنيين المغاربة). وفي نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي استكملوا دراساتهم الجامعية، أساساً، في جامعة محمد الخامس بالرباط، وكان لهم حضور في الحركية الحزبية الشبابية المغربية سنواتئذٍ، من خلال النشاط في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، أو من خلال الانتماء السياسي للأحزاب الوطنية والديمقراطية المغربية، خاصة حزب الاستقلال وحزب التحرر والاشتراكية (سليل الحزب الشيوعي المغربي والذي تحول لاحقاً إلى حزب التقدم والاشتراكية).

أعلنت “الجبهة” في ذلك “الماي” من سنة 1973 فقط عن تصَدِّيها لمهمة تحرير إقليمَيْ “الساقية الحمراء ووادي الذهب” وتطهيرهما من الاستعمار الإسباني، ولم يتسرب بعدُ إلى أذهان المؤسسين مفهوم “الصحراء الغربية”. وكان المؤسِّسون متوزعين في مُيُولاتهم السياسية ما بين التأثر بالأفكار الوحدَوية العربية لحزب البعث (بشِقَّيْه العراقي والسوري)، أو بالأفكار الثورية لليَسار الجديد في العالم (وخاصة اليسار الفلسطيني). كما كانوا على تماس مع نشأة اليسار الجديد، الماركسي اللينيني في المغرب، وأيضاً كانت لهم صلات مع “حزب الكادحين” في موريتانيا (التيار الشيوعي).

ذلك الحَمَاس للكفاح الوطني لتلك النُّخبة من الشباب الصحراوي المغربي، وبتلك الخلفية الثورية، فتح للجبهة الفتية مسالك اتصال مع “كيمياء” الصراع على السلطة في المغرب المستقل، ومن دَفَّة المعارضة المسلحة التي قادها الفقيه محمد البصري، وهي التي كانت لها قنوات مفتوحة مع كل من القائد الليبي معمر القذافي والرئيس الجزائري هواري بومدين.

ومن إحدى “تلك القنوات” تواصلت البوليساريو أولاً مع العقيد القذافي، وكان له منها رجاء في “خلق بؤرة ثورية” في جنوب المغرب لاستنهاض “ثورة شعبية مغربية تُسقِط نظام الملك الحسن الثاني”، وما كان يعنيه تشجيع البوليساريو على الانفصال لأنه كان وحدوياً في خلفيته الفكرية. وغني عن التذكير بأن صلابَة النظام الملكي وشعبيته، وصمود الملك الراحل في وجه أعاصير شتى، داخلية وخارجية، بيّنت عقم “القذافيات”؛ ما فرض على القائد التخلي عن “حلم” الإضرار بالنظام المغربي، وسلك طريق الانفتاح على الملك الحسن الثاني والاشتراك معه في مبادرة “الاتحاد الإفريقي” الثنائي بين المغرب وليبيا، فضلاً عن الاشتراك في تأسيس “اتحاد المغرب العربي”.

أما الرئيس الجزائري هواري بومدين، فما كان سيكفيه أن يُسقِط النظام الملكي المغربي، بل كان يطمح إلى إضعاف المغرب وحشره في زاوية جغرافية تقزِّمُه، عبر قطع امتداداته المادية، الفعلية والمعنوية مع إفريقيا ككل، وذلك بافتعال دوَيْلة في الصحراء تكون “شوكة في حذاء المغرب” تعزله عن إفريقيا، وتؤمِّن للجزائر زعامة في شمال إفريقيا، ومَعبَراً سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً إلى المحيط الأطلسي.

وكان أن انتزع بومدين البوليساريو من “شغف” العقيد بمعاداة الملك الراحل الحسن الثاني، وحوَّل وِجهتها إليْه وإلى وهم ومطمع إقامة دولةٍ في الصحراء المغربية، وأبقى تمويلها وتسليحها مَشغلةً للعقيد الليبي، إلى أن فطن العقيد إلى أن عداءه للمغرب عبثٌ، وأنه إنما يحمل وِزر خدمة مصلحة الدولة الجزائرية، وأن مصلحة ليبيا هي مع الحسن الثاني.

حَمَّل بومدين “البوليساريو” الوهم الانفصالي، وألحقها أداةً في الاستراتيجية الجزائرية المعادية للمغرب، وحمّسها للإعلان عن “الدولة الصحراوية” يوم 27 فبراير 1976، رداً على العبقرية الوطنية للملك الحسن الثاني التي أبدعت المسيرة الشعبية السلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية المغربية من الاستعمار الإسباني في نوفمبر 1975، وسدّت كل ممكنات إنشاء دويلة في الصحراء من أية طبيعة كانت.

كانت المسيرة الشعبية المغربية منطلقاً لنهضة مغربية شاملة، كرست الوحدة الوطنية في بُعديْها الترابي والشعبي، ومثلت مدخلاً للتحدي النهضوي المغربي، وله اليوم ملموسية وتجليات في الأقاليم الصحراوية المسترجعة وفي عموم الكيان المغربي سياسياً، اجتماعياً، اقتصادياً وحضارياً. وقد تسارع التفعيل العملي وعلى الأرض لذلك التحدي الوطني مع قيادة الملك محمد السادس للبلاد بمشروعه الإصلاحي والتحديثي المتعدِّد الأركان والروافع، ومنها الرافعة الديبلوماسية التي أحاطَت الحق الوطني الوحدوي المغربي باقتناع دولي عارم، أثمر قرار مجلس الأمن الأخير بكل الديناميكية التي تولَّدت عنه لحل المنازعة الجزائرية في مغربية الصحراء، على قاعدة تنزيل مُقترح الحكم الذاتي.

والنزاع اليوم يعبُر الهزيع الأخير منه في اتجاه فجرٍ مشمس يُبدِّد الوهم الانفصالي، ويستقطب المنطقة المغاربية إلى آفاق ربحية من التعاون والتفاعل المشترك لكل شعوب المنطقة. وفي المقابل، فإن نصف قرن من إعلان الوهم الانفصالي لم تفْعل فيه البوليساريو إلا إدامة معاناة سكان مخيمات تندوف، من فرط توظيفها لهم كـ “شعب صحراوي” لتبرير وجودها ولاستجداء المساعدات الإنسانية. وتلك المساعدات هي مادة إفادة لقيادة البوليساريو، وتصرفها كوسيلة ضغط وتحكُّم في المخيمات، وهو ما بات حقيقة مكشوفة حتى إن بعض الإعلام الإسباني بدأ يتحدث عنها بعد أن تجاهلها لعقود.

نصف قرن من وجود “البوليساريو” في استراتيجية دولة أخرى لها حساباتها ومصالحها؛ وجود وظيفي أنتج سردية انفصالية للبوليساريو لم تتولد من أصل ومنطلقات التأسيس. ولأنها بلا شرعية اجتماعية، ولا تتوفر على انغراس أفقي في التضاريس القبلية للأقاليم الصحراوية، وفاقدة لاستقلالية قرارها السياسي، فإن الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية موضوع النزاع سيكون لها طوق نجاة من الاندثار والتفتت. ففي إطار الحكم الذاتي يُتاح لها تشكيل حزب ينخرط في التدافع الديمقراطي ليكتسب وزنه السياسي والاجتماعي الذي يناسبه، وليتمكن من المشاركة في تدبير الشأن العام الجهوي لفائدة ساكنة الجهة، وإسهاماً في تدبير الشأن العام الوطني للمغرب القوي بوحدته وبطموحه التنموي.

تمر “البوليساريو” اليوم بوضعِ نَبذٍ دولي لها، وآخر حالات ذلك النبذ قمة إفريقيا-فرنسا التي احتضنتها كينيا مؤخراً؛ حيث وجدت “البوليساريو” نفسها غير مقبولة للحضور في تلك القمة، لا من جهة كينيا المنظِّمة لها، ولا مِن جهة فرنسا. إن حركات انفصالية عديدة، قبل “البوليساريو” وبعد عقود من وجودها، حلّت نفسها وأعادت النظر في انفصاليتها واندمجت في مجتمعاتها، وحدث ذلك في أمريكا الجنوبية وفي آسيا وفي أوروبا. والقوس الانفصالي الذي زرعته الجزائر في “البوليساريو” وجعلها تتنكر لمنطلقها الوحدوي الوطني المغربي، يكفيها أن تغلقه، وتستعيد منطلقها لتكون مفيدة حقاً لنفسها وللمغاربة في الصحراء وفي كل المغرب، ولشمال إفريقيا، بل ولإفريقيا برمتها.

اشتكت “البوليساريو” للأمم المتحدة من عزلتها، والواقع أن المغاربة، وضمنهم مواطنو الأقاليم الصحراوية، يرفعون شكواهم منها للتاريخ، وعسى أن تنفع فيها تلك الشكوى لتعود إلى أصلها لتمشي في الفضاء الرحب والواقعي للجغرافيا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x