لماذا وإلى أين ؟

ستندال المتنازع بين شخصيتين

وكالات

(لقد اعترتني فرحة عارمة حينما دخل والدي غاضبا ومهتاجا وهو يعلن إعدام لويس السادس عشر، بل لقد ألقى بقفازيه في غضب قائلا: لقد اغتالوه غيلة.. جاهدت لأكتم سعادتي وشعرت لحظتها وقد كنت صغيرا.. بأن الدم والقتل أحيانا جزء من متعة الانتصار). لن يتبادر لذهن أحد أن هذه الكلمات وردت ضمن إحدى رسائل أديب تعتبره فرنسا أحد أعظم أدبائها.. ونحن كذلك لكن الحقيقة أن هنري بيل والذي يعرفه الجميع باسمه المستعار– ستندال– كان مثالا حقيقيا على تنوع وغرابة النفس البشرية حتى إن بعض المحللين النفسيين مثل توماس يونج كان يرى أن ستندال شخصية فصامية بدرجة مرضية واضحة، لكننا لن نبالغ في حديثنا عن ستندال تصديق ما قاله يونج فالنفس البشرية بكل بساطة هي تلك البئر التي تجمع في بطنها الماء المالح والماء العذب.

وربما تجد فيها عشا للنحل ينتج عسلا وعشا للدبابير قد تلدغ وتؤلم،هكذا هي النفس البشرية التي تعتمل فيها كل المشاعر وتتصارع، فنحن نرى في ستندال مشهدا طبيعيا للنفس البشرية وفي أدبه خير مثال لذلك حتى أن برنارد شو كان يذكر دائما مقولة عن ستندال كلما تحدث عنه فيقول (جسد يحوي داخله شيطان وعقل يحوي داخله داهية وقلب هو ملاك يتعذب). والحقيقة أن برنارد شو أوجز فأفصح عن ستندال كما فعل مواطنه الناقد والكاتب الكبير أندريه موروا والذي بالرغم من أننا نرى أن رؤيته لستندال فيها الكثير من المعالجة الرومانسية إلا أنه وصل لبعض أعماق ستندال وأدبه وخصوصا حينما تناول روايته– الأحمر والأسود– في عمله الكبير أقنعة الحب السبعة والتي تعتبر أعظم أعمالة الروائية على الإطلاق بل قد يعتقد البعض أنها ذروة المعالجة الروائية الإجتماعية والسيكولوجية لستندال، كما نستطيع أن نرى فيها ستندال ذاته خرج من اللاوعي والأشخاص الذين شكلوا طفولته في صور محوره داخل هذا العمل الروائي، لكن ما الذي جعل ستندال يطفو بأدبه على السطح الأشهر الثلاثة الماضية بالتحديد؟

لقد أعلنت إحدى دور النشر الإيطالية في ميلانو أن هناك مجموعة نادرة من أوراق ورسائل ستندال تم شراؤها بالفعل من دار للتحف والأعمال الفنية وهم بصدد نشرها في طبعة فاخرة تضم صور الأوراق وترجمتها مع سيرة ذاتية لستندال يشترك فيها أكثر من 12 باحثا من جامعات إيطالية، والحقيقة أنه بالرغم من شهرة الأدب الإيطالي في فرنسا إلا أن الأدب الفرنسي لا يحظى بقراء كثيرين في إيطاليا في العقود الخمسة الأخيرة بسب تراجع تدريس الأدب الفرنسي بل وتراجع مستوى النشر الأدبي ذاته في إيطاليا وسوف يكون هذا الحدث فرصة جيدة لخلق جدل وحركة حول الأدب الفرنسي مره أخرى وخصوصا الأدب الكلاسيكي الذي بالرغم من أنه حي ينبض في الشرق الأوسط كل لحظة إلا أنه لا يجد من يلفت النظر إليه في أماكن عدة وخصوصا في أوروبا نفسها.

الحقيقة أن ستندال شخصية جدلية نستطيع أن نصنع حولها وحول أدبها جدلا ونقاشات لا تنتهي وهكذا هي شخصيات الأدباء التي تولد في عصور انتقالية، فلقد عاش ستندال طفولته قبيل الثورة الفرنسية وصباه وشبابه في الفترة النابليونية وهذا ما جعله جمهوريا متطرفا والحقيقة أن تربية ستندال أدت لذلك فعلى الرغم من أنه كان من أسرة برجوازية على قدر من الشرف والتقدير، إلا أنه كان يرى أن بذور الانتهازية والتملق تخرج من هذه الطبقة بل لقد ساعدت أعمال ستندال المؤرخين الاجتماعيين في رسم ملامح واقعية للشخصية الفرنسية في هذه الحقبة وبكل دقة، فمن يعتقد أن الثورة الفرنسية قضت على الطبقية وعلى الظلم واهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى لقد قضت الثورة على النبلاء بتقطيع رؤوسهم لكنها لم تستطع إيصال الرسالة الحقيقية التي جاءت من أجلها ككل ثورات العالم وهي الإخاء والعدل والمساواة، وعلى الرغم من أنها حركة فارقة في تاريخ العالم دون شك من الناحية السياسية والاجتماعية إلا أنها أزاحت النبلاء بدموية في مرحلة من مراحلها لكنها هيأت الطريق للبرجوازيين الجدد وهم الانتهازيين من الساسة الذين حولوا الثورة لمعركة انتقام من جراح الظلم السابقة وعلى اختلاف وجهات النظر فإن شخصا مثل المحامي والسياسي ماكسميليان روبيسبير يمثل هذه الطبقة بشكل مثالي بحيث كان مسؤولا عن برك الدماء التي تفجرت بعد الثورة الفرنسية بل هو المسؤول بشكل مباشر عن إعدام لويس السادس عشر.

لكن أديبنا الكبير ستندال لم يكن يصل به الحد لهذه الدرجة لكنه عرف الكره والدموية كنوازع داخلية كحالة من النقمة على جده لأمه مسيو جانيون الذي يقول عنه هو نفسه – لقد كان رجلا بلا لون، طيبا بلا حدود، ومثاليا لدرجة مرعبة حتى إنه لم يكن يعترف أن هناك خطأ ما وأن كل الأمور سوف يتم إصلاحها، ولو أنني اتبعت طريقة ذلك الخبير في الفلسفة والمثاليات لكنت حتى الآن ارتجف رعبا كلما رأيت أنثى أو عدوا– وعلى الرغم من أن ستندال لم يكن يكره جده لأمه بل أحب عائلة أمه حبا جما لأنه كان يرى في والدته ملاكا جميلا تعيش رغما عنها مع رجل مهمل قبيح لا يهتم إلا بالشرف والكرامة ومكتسبات هاتين الصفتين، لكنه في الحقيقة وعلى الرغم من ضعفه الفطري الذي ظهر في أحداث كثيرة في حياته إلا انه كان يكره الضعف وتنسب إليه مقولة شهيرة تقول– إن الضعفاء مجانين– لكن هكذا كان ستندال الذي ترعرع في أسرة تتنازع فيها كل الأطياف فبينما خالته إليزابيث تعتز بالشرف والعادات العريقة فإن خاله رومان كان زير نساء يحب المغامرات العاطفية وينفق جل ماله على النساء، ومن ثم أحب ستندال عمته حبا كبيرا وورث عنها قواعد الشرف على حد تعبيره لكنه كان يرى في خاله رومان قدوة في عالم المغامرات النسائية ولا عجب أن يضع أندريه موروا ستندال بين عالمين تتنازعه في المسألة العاطفية على حد تعبير موروا (بين فارتر ودون جوان) ويمثل فارت- بطل رواية أشجان فارتر للكاتب الكبير جوته- الحب البريء القائم على الإخلاص والعذرية وبالطبع يمثل دون جوان العشق الماجن الذي لا يعرف غير رجل يزهو بمغامراته العاطفية والذي تتحول الحبيبة عنده لقنيصة يتم الإيقاع بها لمجرد الزهو والمتعة الرخيصة، لكن إلى أي جانب كان يميل ستندال كإنسان في حياته الواقعية جانب فرتر أم جانب دون جوان؟ الحقيقة أنه على الرغم من أن إجابة موروا كانت ترضي ذوق الفرنسيين إلا أنها لم تكن واقعية بنسبة مائة بالمائة، فلقد كان ستندال نفسه كمثل أبطال روايته متقلبا بين العالمين كما يقول موروا لكن الحقيقة أن ستندال كان فاضلا على الدوام يفضل دور فارتر ويعيشه دائما لكنه داخله كان يتمنى أن يصبح دون جوان متأثرا بخاله رومان زير النساء لكنه لم يستطع وكل بطلات علاقاته الحقيقة كن يشكلن له ملهمات لا أكثر، وبالكاد نجد بينهن واحدة هي التي جعلته يتمنى لو حذا معها حذو الدونجوان وهي أنجلا بتراجوروا والتي كان يحبها في صمت قبل سفره لميلانو دون أن يفصح لها عن ذلك وبعد عشر سنوات قابلها وكانت قد تزوجت فصرح لها عن حبه ومن ثم خاض معها مغامرة عاطفية اكتشف بعدها أنها تستغله عاطفيا وأنه كان يخلع عليها كحبيبة صفات غير واقعية، وهكذا يقول في إحدى رسائله لرجل مجهول من رجال نابليون– وأدركت يا عزيزي أننا حينما نحب نصبح مثل الرسام الذي يرسم صورة من الخيال لشخص لا وجود له وكأنك بين يديك قطعة من خشب تراها غصنا يانعا مغطى بالزهور والبراعم.. لكن الخشب الذي قطع عن جذوره لا ينبت زهورا، لكن الصدمة هي أن ترى الحبيبة على واقعها الكريه فيزول المثال لكنه ربما يبقى الحب دون أي انجذاب– الحقيقة أن هذا التقلب الذي وجدناه أحيانا عند ستندال هو شعوره الدائم بأنه حبيس في شخصية الرجل الذي يعشق بنبل ويرفض أن تكون المرأة بالنسبة له صيد يقع في الشباك وهذا الشعور قد أدى به أن تتفجر رواياته بالغرابة وربما التطرف، فهذه حبيبة تقبل شفاة حبيبها بعد أن قُطعت رأسه وهذه امرأة متدينة تقع في حب لص وتتحول لقاطعة طريق وهذه حبيبة تشي بحبيبها وتموت حزنا عليه، وهكذا كان أحيانا التطرف في المشاعر هو أحد اهم سمات ستندال وتقول الكاتبة الفرنسية الكبيرة سيمون دي بوفوار أنها كانت تشعر أن ستندال ينتقم من المجتمع في شخصيات أبطاله ويعبر عن دموية لم يستطع تنفيذها في الواقع لكنها ترى أيضا أن ما من رومانسية حادة وعشق جارف يبرز المشاعر الإنسانية دون تزييف أكثر من ما عند ستندال.

كان ستندال إداريا كبيرا في جيش نابليون وكان منسقا كبيرا في حربه في إيطاليا بل وشاهد أيضا اندلاع الحرب على الجبهة الروسية وحريق موسكو، وكان يرى في البرجوازيين الجدد آية في النفاق والرياء والوصولية والذي كان هو ذاته ينتمي إليهم لكنه كان من أصول برجوازية ومن ثم لم يكن بنفس الانتهازية مثل الطبقة الجديدة ونجد في بطل روايته الأهم على الإطلاق الأحمر والأسود جوليان سوريل نموذجا لهذه الطبقة في حقبة ما بعد الثورة، فهو قبل أن يأخذه الحب في تياره الجارف يحاول ركوب الطبقة من خلال الإيقاع بزوجة مخدومه مسيو دي رينال وهي مدام دي رينال والتي جرفها الحب معه فحولها لكتلة من الدهاء على الرغم من أنها كانت امرأة فاضلة وكان جوليان سوريل من طبقة الفلاحين المتعلمين يدرس اللغة اللاتينية لأبناء مسيو دي رينال، وكما كانت مدام دي رينال في نظره في بداية علاقته بها مجرد امرأة من الطبقة التي كرهها دوما كانت أيضا ابنة مخدومه الثاني ماتيلد دي لامول والتي أحبت فيه انصرافه عنها، ونرى ستندال يخلق من جوليان شخصية موازية له تماما وربما تعبر عنها أحيانا فهو دون جوان انتهازي يكمن داخله عاشق نبيل أحيانا وخصوصا بعد أن يكتشف أنه لم يحب غير مدام دي رينال لكنه حاول قتلها بعد أن كشفت قصة عشقه لوالد ماتيلد الذي كان على وشك تزويجه لها نزولا على رغبتها فيقرر أن يمنع الزواج، ويُقبض على جوليان ويعدم بالمقصلة ويصل بماتيلد القنوط أنها تأخذ رأسه بعد أن سقطت وتطبع قبلة على شفتيه والأكثر غرابة من ذلك أن مدام دي رينال التي وشت بحبيبها تموت حسرة عليه بعد عدة أيام من إعدامه.

يظل مصير جوليان في رواية الأحمر والأسود لستندال يعبر عن مصير الانهازيين الجدد في قرارة نفس ستندال لأنه كان لازال في أعماقه برجوازي أصيل وليس من البرجوازيين الجدد كما أنها نفس نهاية روبيسبير الذي كان مثالا فجا للدمويين والبرجوازيين الجدد.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x