لماذا وإلى أين ؟

كنزة بنجلون…فنانة ما بعد الحداثة

وكالات

بعد مرحلة من الاشتغال على اللون الأحادي (المونوكروم)، كاشتغال فني متفرد في الحقل الفني والتشكيلي المغربي، متأثرة بالفنان الفرنسي المعاصر إيف كلاين (1928 ـ 1962) ولونه الأزرق العالمي. جعلت كنزة بنجلون من لوحتها قماشة من مساحة أحادية من اللون، في لعب ودوران، إذ لا تملأ اللوحة عبر مسحة متناسقة، بل عبر اِلْتِواءات اللون ودوائر ومنعرجات، منتقلة من الأزرق إلى الأحمر مرورا بالأسود، في وقت يختلط اللون المجرد بلمسات توحي بوجود أسناد لونية مشخصة داخل المساحة الملونة، ما يجعلها غير تجريدية بالشكل المطلق، من حيث احتوائها على تلك التوهيمات البصرية.

البرفورمونس أو الجسد فنا

ستقفز كنزة بنجلون بعيدا عن إطار اللوحة وإرهاصاتها، نحو أساليب فنية يحضر فيها الجسد طريا كفاعل فني وأداة فنية في الوقت ذاته، إذ ستذهب إلى تبني أعمال أدائية (استعراضية)، حيث تقوم هذه الفنانة بجعل جسدها وسيلة تعبيرية داخل الرؤية والعمل في آن نفسه. ففي عملها الموسوم بـ»عربة المدوينة» أو «قاضي المدونة»، ستجمع داخل عمل واحد تعابيرَ فنية متعددة من فن الأداء والإنشاءات الفنية والملصقات الرقمية، بالإضافة إلى حضور بارز للفيديو، الوسيلة السينماتوغرافية لتوثيق الحدث الفني. فإن كان الفنان المعاصر غير ملتزم سياسيا، أي باعتباره غير منتم لتوجه سياسي بالضرورة، فهو ملتزم اجتماعيا وفنيا، ما يجعله بالضرورة مدافعا عن أطاريح سياسية أو مناهضا لها. فنجد كنزة بنجلون في عرضها ـ بتاريخ 16 مارس/آذار 2016 ـ ملتزمة بقضايا المرأة وما تعيشه من تضيق وخناق اجتماعي وديني ـ فقهي.. إذ ستعرض داخل صندوق زجاجي مجموعة من الكتب الدينية التي تحاكم المرأة وتدينها وتسجنها، بينما إلى جانبها كتاب «الحب» صغير الحجم ومنزو ومنعزل، في إشارة لتفشي وتغليب السلطة الذكورية على المرأة وتقزيم قيمتها. فبنجلون لا تجعل الفن بمعزل على القضايا الاجتماعية، خاصة النسائية.

وفي عملها الاستعراضي «شبه الصامت»، في إشارة لتكتيم صوت المرأة الذي يعتبر «عورة» مثل جسدها، الذي يجب ألا تكشف عنه. ستعمد هذه الفنانة إلى التركيز على الألفاظ المهينة لجسد المرأة والمقللة من قيمتها مجتمعيا، تلك الألفاظ التي اختارت أن تنطقها خارج الصمت بصوت عالٍ «البَايْرَة (العانس)، البضاعة، السلعة، الوَاسْعَة، العاهرة»، تسليطا للضوء على رؤية المجتمع الدونية للمرأة، بالإضافة إلى الإنشاء الفني الذي يعرض مانْكان مغلّفة في عربة التبضع، إحالة إلى كون المجتمع لا يرى في المرأة إلا سلعة استهلاكية. لقد تخلت كنزة بنجلون عن الورشة والمحترف وقاعة العرض، وبرودة جدرانها، لتحتضن الفضاء الأوسع والشارع، وذلك باحتضانها لممارسات فنية معاصرة، الفيديو واللوحات /الملصقات والإنشاءات الرقمية وفن الأداء (البرفورمونس)، وما يجعلنا ندرج عملها الموسوم بـ»قاضي المدونة أو عربة المدونة» ضمن خانة الحدوثة happening، أو على الأقل يقترب منها للحد الأكبر، كونه عرضا يعتمد الجسد باعتباره مادة فنية أساسية، ملغية المسافة الفاصلة بين الواقع وترجمته. ففن الحدوثة يعمل على تحريض الجمهور ويثير انتباهه، وذلك بتخطيه كل المقاييس والمفاهيم، وهذا ما نلمسه في العمل الفني المشار إليه، خاصة عند عتبته/عنوانه، إذ مصطلح Caddy يمكن ترجمته بـ«القاضي أو عربة الاقتناء»، فهذا اللعب باللغة يخلق نوعا من الارتباك المحيل إلى السخرية في ذهنية المتلقي. فالقاضي هنا، إحالة إلى رجل الحكم الذي يوافق على كل أشكال (الحُكَرة/التعسف) التي تتعرض إليها الفتاة وبالخصوص تزويج القاصرات، وهي أيضا إحالة إلى العربة التي تشير إلى الاقتناء والاستهلاك، في إحالة صريحة إلى كون الأنثى باتت سلعة مستهلكة في «سوق المجتمع».

فبعيدا عن كل تلك الرؤى التي ترى الفن المعاصر خارج دائرة الفن، وبالخصوص مهاجمتها لما بعد الحداثة وما ارتبط بها من فنون، مثل فن الأداء (البرفورمونس)، تأتي الفنون الجسدية والجمالية المرتبطة بما بعد الحداثة والمعاصرة جزءا لا يتجزأ من تاريخ التطور الفكري الفني الإنساني، بل تعد براديغما أساسيا من البراديغمات الفنية. لهذا اتجهت مجموعة من الفنانين العرب والمغاربة هروبا من رتابة التعابير الفنية التي ارتبطت بالحداثة، نحو الأساليب الفنية المعاصرة، والتي تفتح آفاق التجريب الفني أمام الفنان بشكل أوسع وأكثر حرية، بل تجعله غير منطو ضمن أي أيديولوجية وغير تابع لأي منها، بل ملتزم بحريته الفنية فقط.

الحدوثة أو الفن المتهكم

بوعي منها اختارت كنزة بنجلون أن «تقفز» نحو الفن الأدائي، غاية في البحث عن أراض وعرة وحرة في الآن ذاته. فتأتي أعمالها كنوع من السخرية السوداء (الحدوثة) من الأوضاع الاجتماعية وما تتعرض إليه المرأة من اضطهاد مجتمعي وإقصاء يصل حد الديني باعتبارها «ناقصة عقل ودين»، وبالتالي ما هي إلا تابع للذكر/الرجل. فتسعى إذن، إلى كسر أسوار العقلية البطريركية (الأبوية) السائدة في المجتمع العربي والمغربي الهنا والآن، خاصة لما تتعرض له المرأة من إقصاء جسدي وتعسف يتمادى حد تعرضها لأنواع من القسوة الجسدية (مثل الختان والاغتصاب والتحرش).

التورط الجمالي

يخلق فن الأداء نوعا من استدعاء المتلقي ـ بشكل واع وغير واع في الوقت ذاته ـ إلى التفاعل مع العمل، إذ يتم استعراضه أمام المشاهد بشكل مباشر، ما يجعله جزءا من المشروع، فقد سعى الفنان المعاصر، منخرطا في السيرورة اللانهائية، إلى التفاعلية التي تمنحها التكنولوجيا إياه. وبعيدا عن اللغة الجافة والمملة، اختارت كنزة بنجلون لغة الصمت تتخللها ألفاظ تنتمي إلى معجم «الحُكَرة» (الظلم والإقصاء)، عبر عفوية وتلقائية، كنوع من البوح والتصريح، عرض يصير فيه جسد الفنانة أداة استتيقية (جمالية) كما احتجاجية على الوضع الاجتماعي القائم.

الملصق الجمالي/تجاوز الواقع

ولأن الفنان لم يعد «كلمة الفصل» في العمل، بات جزءا مكونا من أجزائه المكونة التي يعتبر المتلقي مشاركا فيها، إذ صار هذا الأخير مدعوا إلى الانخراط ـ إن لم نقل التورط الجمالي ـ في العمل، وهذا ما تقدمه الفنون الرقمية، الناتج عن تفاعل يد الفنان مع التكنولوجية التي تأتي كمكمل أساسي للعمل الفني. فالانتقال من التكنولوجية التماثلية إلى الرقمية سمح للفنان بمزيد من الإبداعية، إذ انتقل من العالم الواقعي إلى الافتراضي، باعتباره عالما موازيا أمكن للفنان استعمال أدوات ووسائل جديدة معاصرة، مزجت بين الإنساني والتكنولوجي والواقعي والافتراضي. فالتجول بين تلك الملصقات الرقمية المعروضة إلى جانب «عربة المدونة»، يقدم للمتلقي إمكانية السفر بين الأسندة المتنوعة المكونة للعمل ككل. فاعتماد الفنانة على تلك الصور /الملصقات الرقمية، راجع لما تمنحه هذه الأخيرة من إمكانية لا متناهية، إذ يرجع الأمر لكل تلك الإمكانات من القطع والمونتاج والمحو والإضافة، ما يجعل العمل متعدد الدلالة. تنطوي الملصقات الفنية على إمكانات جمالية تتعدى الصورة الصباغية، بالإضافة لكونها لا تشير لشيء واقعي محددا بل إنها متعددة التأويل والدلالة، لكونها واقعا فائقا، واقعا مزيدا. فقد اعتمدت كنزة بنجلون على تركيب شخوصها (مانكان) فوق صور للقطات متنوعة للمجزرة، شخوص معلقة ومتدلية من السقف، كأني بهذه الفنانة تشير إلى كون المرأة صارت عرضة لكل أنواع الانتهاك الوحشي بشكل يجعل منها ضحية مسلوبة الإرادة بالكامل.

لقد وضع الفن الرقمي الفنان أمام إمكانات أكثر تحررا وأكثرا إبداعا، بعيدا عن سطوة المدرسة والأكاديمية ومحدداتها الحسابية. ما جعل هالة التقديس التي تغلف العمل الفني تنمحي وتزال، إذ الأمر كما يدعو إليه والتر بنيامين، حيث ما أن تزال هذه الهالة حتى نعيد التفكير في مسلمات أحاطت بالأثر الفني مثل الأصالة والتفرد، إذ صار العمل عبارة عن سيمولاكر متناسخ ومتكرر، فنقترب من نظرة بودريار لهذا المسمى شبحا، حيث يصير الشبيه أصلا، ويختفي العمل الأصلي من المنسوخ، وهذا ما تتيحه تلك الملصقات الفنية لكنزة بنجلون، إذ الأهم هــــو الموضوع والحدث لا الحامل. بينما الموضوع يحمل دلالاته وأبعاده وتأويلاته اللامتناهية، يحضر فيها الجسد/جسد الفنانة كأداة ووسيلة لا غاية.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد