لماذا وإلى أين ؟

ثورة على الخوف

هذا العام يوشك على الانتهاء، والنهايات ليست خفيفة أو سعيدة كما رُوّج لها، فعندما نكبر سناً، نكتشف أن النهايات السعيدة هي بدعة، وأن الحقيقة هي أن السنوات تنتهي بثقل ما، ذاتي كان أو جمعي. خاصة مع ما يمرّ به العالم هذه الأيام.

لكن، بنظرة سريعة إلى هذا العام، وللأسف بالرغم من الكوارث المستمرة، بإمكاننا أن نسلط الضوء على ما ينير العام، مع الإدراك أن رؤية الضوء غير مفصولة عن أوجاع كثيرة. فلا الضوء/ الأمل مُطلق، وبالطبع لا الأمل كذلك.
الضوء الذي أرغب في التركيز عليه هو كسر نساء لحواجز الخوف، ليس فقط الخوف بوجه أدوات القمع السياسية المباشر الناتج عن السلطات، كما يحدث اليوم في ثورات لبنان والعراق وتشيلي وإيران، وقبل فترة بدأ في السودان والجزائر، إنّما كسر حاجز الخوف بما يتعلق بالحديث العلني عن قضايا تحرّش بهن أو بنساء أخريات، وقضايا انتهاك حقوقهن كبشر.

مع بداية الثورات العربية، قبل حوالي 9 أعوام، انكسرت حواجز خوف عديدة. هذه التغييرات أثّرت عمن يخوض الثورات بشكل مباشر وكذلك على من تابعها عن بعد، وكان منخرطاً فيها، حتى بشكل غير مباشر. فحياتنا جميعاً تختلف اليوم عما كانت عليه قبل 2011، وهذا لا علاقة له فقط بالجيل.

مع سقوط جدران خوف عديدة، من أهم ما سقط هي تلك الجدران السميكة التي جلست ء وما زالت ء على قلوب وأجساد نساء كثيرات في المنطقة العربية. الجدران التي تكبت حرياتنا الجمعية والفردية، حرية التعبير، تقمع استعادة ملكيتنا على أجسادنا. ومع سقوط الجدران المستمر، ظهرت القدرة العظيمة للنساء بفتح ملفّات انتهاكات بحقّهن، قديمة كانت أو متواصلة، بعلنية أو بأسماء مستعارة، لوحدهن أو بشكل جماعي عفوي أو مؤسساتي يترجم بعمل مؤسسات نسوية حقوقية.

في حديثي المتكرر عن جدران الخوف، أشير إلى الجدران التي صنعتها المؤسسات السياسية المتمثلة بالحكومات والقوانين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التي صنعتها منظومات مجتمعات ذكورية وأبوية تغذي نفسها من خلال وسائط عديدة، منها حاجتها بأن يستديم هذا الخوف.

وبالتالي، لم تسقط “جدران الخوف” وحدها بسبب خلل ما في البناء. مع الثورات، سقطت جدران الخوف لأن الناس قرروا ذلك. ومع ما يحدث في السيرورة المستمرة لنضالات النساء، هو إسقاط النساء لجدران الخوف التي قبعت وتقبع على قلوبهن وأرواحهن، وجميعنا يعرف، أن هذه الخطوة ليست سهلة، كما وتضطر نساء كثيرات أن يدفعن أثمانها، لمرة واحدة أو باستمرار.

سأركز هنا عن كسر حواجز/ جدران الخوف من خلال الحديث عن التحرّش الجنسي والانتهاكات التي تتعرض لها النساء، من جهة، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر القصص والشهادات والدفاع عن النساء والمطالبة بالعدالة، من جهة أخرى.

من نشر النساء لشهادات العلنية بعد التحرّش بهن في شوارع مصر، وبعد حملات عديدة قامت بها نساء في بلاد عربية، منها حملة “الشريط الأبيض” في السعودية، لتسليط الضوء على معاناة النساء السعوديات داخل ما يُسمى بـ “دار الرعاية”، الذي يعتبر سجناً تُزج به الفتيات من قبل ذويهن “لتأديبهن”، إلى النساء السودانيات التي لم ينتفضن فقط على البشير، إنما أيضاً انتفضن ضد الانتهاكات الممارسة بحقهن.

ومؤخراً، نساء في سلطنة عمان، اللاتي أثرن قبل أيام ضجة قبل بعد مقتل فتاة عشرينية على يد أحد أفراد عائلتها، إلى الشهادات التي نشرتها “السوارء حركة نسوية عربية”، وكانت قد نُشرت 16 شهادة على مدار 16 يوماً، رافقاها شعاران أساسيان، الأوّل تمحوّر حول ضرورة إسقاط ثقافة التحرّش، والثاني مجسداً روح النساء بـ: “ثورة على الخوف”.

المقدمّة الطويلة التي كتبتها، هي للإشارة بأن الثورة على الخوف، ليست جديدة، إنما بذرتها قديمة، مع بداية الثورات وما قبل، مع النضالات النسوية عامّة. لكن بإمكاننا اليوم أن نلمس ملامح جديدة لهذه الثورة، أهمها هي فرض النساء لنفسها ولأصواتها، والأهم لحكاياتها وسرديتها، بطبيعة غضبها وصدقها واحتضانها لذاتها أيضاً.

ما يحدث اليوم من نشر النساء في المنطقة العربية لقصص تحرّش وانتهاكات تحدث في البيوت أو الفضاأت العامّة، هي أيضاً تعامل مهم مع مواقع التواصل الاجتماعي، كمنصة خاصة، تتحكم بها المرأة، وتقول ما تشاء عبرها، بلا حاجة لأن يكون الفضاء رسمي أو يحتاج إلى خطة مدروسة أو لكيفية استخدام الكلمات اللازم… كلا، بل أن ما يحدث اليوم من ثورة للنساء على الخوف، يتجسّد بسرد ما مررن به ويعشنه، بالأساليب التي يرونها مناسبة، والتي تلائم وجعهن، حتى التي يمكن أن تعتبر “فظّة” و”غير مؤدبة”، وكأن على المرأة دوماً أن تُزيّن غضبها كي تواصل “عدم خدش الحياء العام”، المسؤول بأشكاله المختلفة، عن قمعها أيضاً.

المهم، إن متابعة قصص النساء اليوم، ونضالاتهن المتنوعة، هي بمثابة إلهامات مستمرة. نعم، كل منا تعيش ثورتها الخاصّة، لكن جميعنا نمتلئ قوة وشجاعة من قراءة قصص أخريات، قريبات وبعيدات. إن عالم البوح العلني هذا الذي خلقته النساء وحدها، أصبح بمثابة شبكة الدعم الوحيدة التي تختبئ فيها كثيرات مننا، بغياب الأمان الذي يمكن أن توفّره القوانين في بعض الأماكن، وانعدام الثقة فيها في أماكن أخرى، كما وغياب الأمان أيضاً في “الملاجئ” التي من المفترض أن نهرب من العالم إليها، لكن تتفاجأ بعض النساء بأنها الأقسى: أي البيوت.

لربما فكرة “الأمان” هذه التي نبحث عنها، هي بدعة أيضاً. لكن ما هو ليس بدعة، بالنسبة لي، هو ما ينتج عن الثورات المستمرة على الخوف الذي تصنعها نساء، آثارها سريعة، تمنحنا قوة بعيداً عن نظريات كم من الوقت تحتاج الثورات للتأثير على مصائر الشعوب؟ كأننا اليوم نعيش خراباً نعم، لكن داخل هذا الخراب، تنير نساء الضوء على سردياتها، وتمنحها المساحة التي تستحقّ، سواء صدّقها البعض أو لم يصدقّها (في هاجس البحث عن أدلة)… لكن هذا لن يمحو حقيقة أن هنالك من كسرت حاجز الخوف، وقالت حكايتها، أو من دافعت عن حكاية امرأة، لم تستطع أن تحكي حكاياتها، خائفة كانت (وهذا حقّها)، أو قمعها من يهزّ عرشه الثورة على الخوف التي تصنعها النساء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد